ثائر حسيني
12-10-2007, 08:02 PM
الجهل والإفلاس في "هذا بيان للناس"
كاتبها: جهاد الدين الأمين
د. دكتوارة اللغويات والأسلوبيات المقارنة- جامعة عين شمس
باسمه جل شانه
أما بعد:
لقد وصلتني رسالة بعنوان "هذا بيان للناس" كتبها أحد المجاهيل، فيها من الأراجيف و التخليط ما فيها، فعمدت إلى تفنيدها على الإختصار ففي لطيف الإشارة ما يغني عن صريح العبارة، والمقام يضيق عن الإسهاب وليس في البال وسع ولا في الوقت فسحة. هذا بعد الحمد لله والثناء علية بما هو أهله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. وكان الأحرى أن تُسَمَّى تلك الرسالة "هذا ضلال للناس"، حيث حوت من الخرافات الميثولوجية والخزعبلات الخيالية ما تأباه النفوس المستقيمة وتمجُّه العقول القويمة.
لقد ابتلينا في مصرنا الحبيبة بطائفة من أذناب الوهابية يظنون أنفسهم على الحق وهم ليسوا على شيء، فكثيرا ما يشغبون ويخلطون ويهرفون بما لا يعرفون، فهم مصابون بداء الجهل المركب وذلك نابع من ضحالة عقولهم وضعف منطقهم، وسفاهة أحلامهم ينسبون أنفسهم ظلما وعدوانا إلى أهل السنة والجماعة وهم أبعد الناس عن السنة والجماعة، يكفرون طوائف المسلمين من معتزلة وشيعة وأشاعرة وغيرهم، ويكأن الإسلام ثوب قد لبسوه ولا مجال أو متسع لغيرهم فيه، يشنعون على غيرهم بما هو فيهم فصحت فيهم مقالة العرب "رمتني بدائها وانسلت"، وليتهم قبل أن يبصروا ذرات الغبار في عيون غيرهم أبصروا جلاميد الحجارة في عيونهم. فما بال الوهابية يشنعون على الشيعة والمعتزلة والأشاعرة وكل من خالفهم ويجعلوهم كلهم في سلة واحدة ويخلطون الحابل بالنابل ولا يفرقون بين الجبن والطباشير. وتشنيعهم على الشيعة كثير في تلك الأيام نظرا للدعاية الوهابية والمال الوهابي المنتشر ذات الشمال وذات الشمال، والسياسة تلعب ألاعيبها في هذا المضمار.
ففي تلك الرسالة البتراء التي فيها من الجهل والسفاهة ما فيها والتي تدل على فدامة كاتبها أيما دلالة، فيها حقد أسود على من سماهم "بأهل الجبن و الغدر" وهو يلمز الشيعة، فويل لكل همزة لمزة. وكل ما جنته الشيعة أن طائفة منهم في لبنان قد نصرهم الله بنصره وأيدهم بروحه وجعل كلمتهم العليا على بني صهيون ومن ورائهم من الأمريكان الصليبيين ، فأظهرهم على أعدائهم وتلك هي سنة الله الذي قال "وكان حقا علينا نصر المؤمنين". فلقد نصرهم الله وهم قلة مستضعفون عددا وعتادا وعدة، فصدق فيهم قوله تعالى "وكم من فئة قلية غلبت فئة كثيرة بإذن الله". فثار الإحن في قلوب الحاقدين ومكروا بالليل والنهار عاملين على التقليل من هذا الإنتصار والزراية على المجاهدين ولا حول ولا طول إلا بالله. فكيف بالله ينتصر أهل الغدر والجبن، أجبان ينتصر؟ "كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا"، بل هم أسود الله في الميدان وليوث الدين في حلائب الحروب، هم أبناء محمد وعلي والحسن والحسين وآل بيت رسول الله وصحابة رسول الله، هم الذين يملكون إيمانا لا يملكه أحد على وجه الأرض إلا من رحم ربك. فنشأت ثلة من الحشوية ونابتة العصر وجهال الزمان يروجون الشائعات والأراجيف على الشيعة وغيرهم، فتارة يحتجون بفعل العوام الجهلاء من الشيعة ويلعبون على عواطف الناس البسطاء الذين لا نصيب للعلم والفهم عندهم بذلك، ومن المعلوم أنه لا يحتج أبدا بفعل العوام. فلو كان فعل العوام حجة لوجدنا الطامات في عوام الوهابية في السعودية بل ورؤسائهم من حيث التحالف مع النصارى والسماح لهم بإقامة القواعد على أرضيهم، وغزو بلد مسلم آخر، فاتبعوا سنن من كان قبلهم حذو القذة بالقذة ودخلوا جحر الضب بلا حياء وصدقت فيهم نبوءة المصطفى. وطورا يحتجون بأقوال شواذ العلماء المنتسبين للشيعة، فيأتون برأي شاذ ويعممونه على الجميع، والتعميم من صفات الجاهل. ولو عرفوا أن في كل مذهب أراءا شاذة و هفوات ودسائس دست فيه لما شنعوا كما هو حالهم. فيأتون من كتب الشيعة كالكافي والوسائل وبحار الأنوار بروايات ضعيفة ومنكرة لا يقبلها علماء الشيعة المعتدلين وهم كثير، ولقد بحثت في هذا الامر كثيرا حتى تبين لي وانجلت ظلمته. ومن المعلوم أنه في كل كتاب من كتب الحديث يمكن أن توجد فيه الكثير من الروايات المكذوبة والإسرائيليات حتى البخاري الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون فيه ما فيه من الأحاديث الساقطة متنا ودراية حتى وإن صححوها سندا ورواية كالحديث الذي يفيد بأن موسى فقأ عين ملك الموت لما جاءه قابضا، ولو كان لدي متسع من الوقت لجئت برقم الحديث ورقم الصفحة من البخاري و لكني كتبت هذا الرد على عجالة؛ فهل يمكن لمسلم أن يعتقد أن ملك الموت أعور أو أنه يقبض الأرواح بعين مفقوءة أو أنه مر عليه زمان وهو مفقوء العين، وهل لمسلم أن يعتقد ان نبي من أنبياء الله بل ومن أولي العزم سيء الخلق و لا يرضى بقضاء الله!! حاشا لله ولملك الموت ولموسى. فلو أخذت كل طائفة في التشنيع على أختها لضاع الدين وكم هي فرحة الأعداء من أبناء الصليب وصهيون بخلافاتنا ومماحلاتنا التي لا طائل من ورائها ولا محصول معها إلا الكراهية والبغضاء، فلماذا نتحارب ولا نتحاب ونتناصح ونصطبر على النصح حتى نغير ما نراه شاذا بالحوار ليس بالشجار والنفار؟ ما الفائدة أن يتهم البعضُ الشيعةَ بالرفض ويتهمهم الشيعةُ بالنصب؟ والله لا أدري. فماذا لو تفهم كل طرف وجهة نظر الطرف الآخر وبدأ يناقش أدلته عليها بأسلوب منهجي وعلمي بغية الوصول إلى الحق، دون سباب أو شتم. ولكن للأسف الشديد فإن خمر المذهبية قد أسكرت العقول وأمات غَوْلُها القلوب. لكن الوهابيين المتعصبين يأبون ذلك. وما ورد في كتب الشيعة من أمور غريبة فقد ورد في كتب السنة ماهو منها أغرب، ولا تفتح بابا للجدل في هذا الأمر فمرتعه وخيم، ومآله أليم. والشيعة يضعفون جل روايات الكافي لا كما يفعل الوهابية حين يقولون أن البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله.
فالإدعاء على الشيعة بأنهم يقولون بتحريف القرآن إدعاء باطل لا يقوم على ساق وإن ألف بعض الشيعة في التحريف فذاك راجع اليه وما الزراية إلا عليه و ليس على الشيعة، فالطبرسي و البرقي قولهما مردود عليهما
وليس بحجة على المذهب، وإجماع علماء الشيعة على أن القرآن هو ما بين الدفتين بلا زيادة و لا نقصان، ومن شذ فشذوذه على نفسه، ودعنى انقل لك هنا قول العلامة نور الله التستري وهو من أكابر محققي الشيعة حيث قال ما نصه " ما نسب إلى الشيعة الامامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة ، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم". وفي معرض الحديث عن الشذوذ، أفلم يشذ شيخك أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي حين خالف آي القرءان وادعى فناء النار وعدم خلود الكافرين فيها فخالف قول الله تعالى "خالدين فيها أبدا" والأبدية منافية للفناء، أليس كذلك؟ إني أعلم أنك ربما جاهل بمذهب شيخك وتلك مصيبة كبرى، و أما إذا كنت عالم به فالمصيبة أكبر و أجل. ألم يقع ابن تيمية في التشبيه المحض حينما استشهد بحديث الرسول الذي مفاده أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل... الخ. وقال أن الله ينزل إلى السماء الدنيا "على الحقيقة"، فالرسول لم يقل في حديثه جملة "على الحقيقة" هذه، فمن أين جاء بها ابن تيمية؟ لم يتأول كلام النبي بما لا يعرف ولا يفهم ويقول على الله الكذب وهو لا يعلم! جل سبحانه عن النزول و الصعود و الإنتقال فهو خالق الزمان والمكان فلا يحده زمان و لا يحيط به مكان، وليس المقام مقام علم التنزيه حتى اتوسع لك في الشرح فإذا أردت الزيادة فعليك برسالتي بعنوان "تسفيه التشبيه" ففيها شفاء من التشبيه بإذنه تعالى. ومن أجل غرامه ببدعة التشبيه أنكر ابن تيمية شيء معلوم من اللغة بالضرورة ألا وهو المجاز، و لقد رد عليه الإمام ابن جهبل وتقي الدين السبكي، والتاج السبكي صاحب الطبقات وغيرهم من الأفاضل الأثبات ردا بليغا، كما رد على الذين ينفون المجاز أمامُ اللغة وفقيه العربية صاحب أسرار البلاغة الإمام عبد القاهر الجرجاني، فارجع إلى أسرار البلاغة واطلب علم اللغة من مظانه وأصوله الشريفة ومواطنه المنيفة وليس من عند حاطب ليل. وادعى ابن تيميه كذبا وزورا أن عقيدته في التشبيه هي عقيده السلف، حاشاهم ثم حاشاهم، بل هم منزهون رغم أنوف الجاهلين. ألم يفسر ابن عباس وهو حبر الأمه وترجمان القرآن قوله تعالى "وسع كرسيه السموات والأرض" فقال كرسيه علمه، أرجع إلى تفسير الطبري ستعلم ما أقول لك، هذا فقط للتمثيل لا للحصر، فلا مجال للإسهاب لضيق وقتي وانشغال بالي. ولعمري إن آيه واحده في القرآن لكفيلة بأن تلزم ابن تيمية بالقول بالمجاز في اللغة وهي قوله تعالى "كل شيء هالك إلا وجهه" فماذا يقول الحشوية من مشبهة العصر في هذه الآية؟ فماذا عن الجوارح التي نسبتموها إلى رب البريات جهلا وسفاهة، أهالكة هي الأخرى!! سبحانه سبحانه. هذه الآية فقط خمس كلمات أتت على عقيدتكم من أصلها وعلى بنيانكم من أساسه، فأصبح أثرا بعد عين، ولا كرامه. وماذا عن قوله تعالى "وأينما تولوا فثم وجه الله"؟ فرد عن شيخك إن استطعت، لكن هيهات. ألم يصل للحضيض في التشبيه حينما قال أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا ونزل على المنبر، كما نقله ابن بطوطة في رحلته وابن حجر في الدرر الكامنة والشيخ الحسني الشافعي في كتابه "دفع شُبَه من شَبَّهَ وتمرد". ألم ينقل أبو حيان الأندلسي في تفسيره الموسوم بالبحر المحيط أنه قرأ في كتاب العرش لابن تيميه بخطه أن الله جالس على العرش وقد أخلى بجواره مكانا يجلس فيه محمد، وأيد ذلك ايضا صاحب كشف الظنون، وللعلم فكل هؤلاء السابق ذكرهم هم من السنة وليسوا بشيعة. ألم يقل ابن تيميه في منهاج "السنة" في الجزء الثالث، وأي سنة لا أدري، أن فكرة تقديم آل بيت النبي هي من آثار الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء. ألم يقل أيضا في منهاجه في الجزء الثاني في قوله تعالى "إنما يريد الله ليذهب عنك الرجس أهل البيت ويطهركم طهيرا" ان ذلك مجرد إرادة من الله ... ولا يعني ذلك أن الله قد طهرهم حقا"، لكم أساء الظن بالله ورسوله و آل بيته. ألم يقل في منهاجه في جزءه الثاني "ويزيد ليس بأعظم جرما من بني إسرائيل ، كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء ، وقتل الحسين ليس بأعظم من قتل الأنبياء"، فما قوله إلا شنشنة نعرفها من أخزم، فقوله ظاهره حق وباطنه باطل نابع من سوء نيته. ألم يقل في حق مولانا علي أنه قد أخطاء في سبعة عشر موضعا، وكان مخذولا حيثما توجه، وحاول الخلافة مرارا فلم ينلها، بل هو والله المخذول ولقد عامله الله بعدله لما مات مذموما في سجن القلعة بأمر من الملك الناصر بن قلاوون بعد ان حاوره علماء الأمة وقضاتها وأقاموا عليه الحجة. ولقد صدق ابن حجر حين قال في الفتاوي الحديثية حين قال " ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله ... وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله . . ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي ، وولده التاج ، والشيخ الإمام العز بن جماعة ، وأهل عصره وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية . . قال : والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن ، وأن يرمى في كل وعر وحزن . . ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل غال ، عامله الله بعدله ، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله ، آمين . ( الفتاوى الحديثية : 86 ). ومن رسالة أرسلها الذهبي صاحب سير أعلام النبلاء إلى ابن تيمة اقتطف لك تلك الزهرة فشمها، قال الذهبي في رسالته لابن تيمية "... فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل ، أو عامي كذاب بليد الذهن ، أو غريب واجم قوي المكر ، أو ناشف صالح عديم الفهم ؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل ، يا مسلم ! أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار ؟ ! إلى كم تصدقها وتزدري الأبرار ؟ ! إلى كم تعظمها وتصعر العباد ؟ ! إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد ؟ ! إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح - والله - بها أحاديث الصحيحين ؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك ، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار ، أو بالتأويل والإنكار ، أما آن لك أن ترعوي ؟ ! أما حان لك أن تتوب وتنيب ؟ ! أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل ؟ ! بلى - والله - ما أدكر أنك تذكر الموت ، بل تزدري بمن يذكر الموت ، فما أضنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي ، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات ، وتقطع لي أذناب الكلام ، ولا تزال تنتصر حتى أقول : ليته سكت . فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك ؟ ! (تكملة السيف الثقيل 190). لقد صدق الذهبي فيما قال ومصداق قوله في زماننا هذا أنك لا تجد متبع لابن تيميه إلا كل سفيه جاهل، خفيف العقل، بليد الذهن يأخذ ما يلقى إليه دون فهم أو وعي، عالمهم جاهل جهل مركب، وجاهلهم خير من عالمهم لان ضرره أقل، واتباعه الآن هم الوهابية الذين نشأوا في صحراء نجد حفاة عراة يصاحبون البعير ويأنسون بالعقارب والحيات، مزاجهم رملي، فكرهم صحراوي، وأخلاقهم فظة بدوية، فالمثل إلى مثله ساكن والشبيه لشبيهه منجذب، وللأسف لهم أذناب كثيرة في مصر لكثرة الدعاية الوهابية وجهل أكثر الناس بالحقيقة واغترار كثير من العوام بهم. فمن أضل إذن أشيخك أم الشيعة؟ أما عن محمد بن عبد الوهاب منشيء البدعة الوهابية فاقرأ رسالتي على شبكة المعلومات الدولية في "مجلة العرب" بعنوان "عواصم الشهابية من حنادس الوهابية"، وستجد ما يسرك!
أما عن الروايات الدالة على الزيادة والنقصان في القرآن في كتب الشيعة فمثلها كائن في كتب السنة ولكن هل يعني هذا أن نطعن ونشنع!! فهناك روايات في البخاري مفادها ان عبد الله بن مسعود كان يقول أن المعوذتين ليستا من القرآن، فهل معنى ذلك أن نتهم السنة بأنهم يقولون أن في القرآن زيادة؟ لا ليس هكذا تورد الإبل، فالرد على الروايات الموجودة عند الشيعة هو نفس الرد على تلك الروايات في البخاري. وكي تعلم ان ليس كل روايات الشيعة صحيحة أورد لك قول آية الله التسخيري وهو من مراجع الشيعة الكبار قال بأن "جل روايات الكافي نطأها بالأقدام"، أي كثير منها روايات مدسوسة ولا يعتقد بها الشيعة. فلماذا تلصقون بالقوم تهما هم بريئون منها
وينفونها عن أنفسهم ويدفعونها بالأكف دفعا. ولو نقلت لك أقوال أكابر علماء الشيعة لضاق المقام ولكني ناقل إليك نتفا من أقوالهم ولمعا من عقائدهم. فمن أكابر علماء الشيعة الشيخ الصدوق علي بن بابويه القمي وقد قال في كتابه "رسالة الإعتقادات" ما نصه:
إعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ، ليس باكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشر سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة . ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب. (رسالة الإعتقادات، 93).
وقال الشريف المرتضي في "مجمع البيان" في الصفحة الخامسة عشرة من جزءه الأول ما نصه:
إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع الوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، واشعار العرب المسطورة ، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه في ما ذكرناه ، لأنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينيّة ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ... وإنّ العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه والمزني ، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها ، حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميزّ ، وعلم أنّه ملحق وليس في أصل الكتاب. واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان ، حتى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنّه كان يعرض على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويتلى عليه ، وأنّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعبوغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدّة ختمات . كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتورٍ ولا مبثوت. ولقد نقل ابن حجر في الجزء الرابع من لسان الميزان في الصفحة 224 قول ابن حزم في الشريف الرضي " كان من كبار المعتزلة الدعاة ، وكان إمامياً ، لكنّه يكفّر من زعم أنّ القرآن بدّل أو زيد فيه ، أو نقص منه ، وكذا كان صاحباه أبو القاسم الرازي أبو يعلى الطوسي". فقول ابن حزم هذا يدل على أن ثلاثة من كبار علماء الشيعة الإمامية يكفرون من قال بتحريف القرآن. ولقد قال الشيخ الطوسي وهو شيخ الطائفة الإمامية في مقدمة تفسيره "التبيان في تفسير القرآن" ما نصه:
والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه ، وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق به أيضاً ، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى ـ رحمة الله تعالى ـ وهو الظاهر من الروايات . غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنّه يمكن تأويلها ، ولو صحّت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفّتين ، فإنّ ذلك معلوم صحّته لا يعترضه أحد من الامّة ولا يدفعه.
وقال العلامة الحلي في كتابيه سعد السعود وأجوبة المسائل المهدوية ما نصه:
الحق أنه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه ، وأنّه لم يزد ولم ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك ، فإنه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السّلام المنقولة بالتواتر.
ولقد ألف الشيخ الكركي العاملي وهو من أكابر القوم ومن عظماء محققي الشيعة- ألف رسالة في "نفي النقيصة في القرآن الكريم".
و من أجمل ما قيل قي ذلك قول القاضي الشهيد، السيد نور الله التستري حيث قال في كتابه "مصائب النواصب" ما نصه:
ما نسب إلى الشيعة الامامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة ، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم.
وقال المجلسي في بحار الأنوار ما نصه:
فإن قال قائل : كيف يصحّ القول بأن الذي بين الدفّتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان وأنتم تروون عن الأئمة عليهم السّلام أنّهم قرأوا : كنتم خير أئمّة أخرجت للناس ، وكذلك : جعلناكم أئمّة وسطاً ، وقرأوا : ويسئلونك الأنفال ، وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس ؟ قيل له : قد مضى الجواب عن هذه ، وهو : إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحّتها ، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيّناه.
وقال الشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء في كتابه "كشف الغطاء في الفقه" ما نصه:
لا ريب في أنّ القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الدّيان ، كما دلّ عليه صريح الفرقان وإجماع العلماء في جميع الأزمان ، ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها ، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن أو كثير منه ، فإنه لو كان كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله ، ثم كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه ؟ ... فلابد من تأويلها بأحد وجوه. ولقد أكد على ذلك الشيخ الطهراني في رسالته "تفنيد قول العوام بقدم الكلام".
وها أنا ذا قد أوردت لك لمعا من أقوال أكابر علماء الشيعة الذين عليهم المعول ويرجع إليهم الأمر، ومن خالفهم في أقوالهم فليس من الشيعة وإن ادعى الانتساب إليها ظاهرا أو باطنا. فتلك أقوالهم حجة على من خالفهم وناصبهم العداء، أما التشنيع والإفتراء و الإرجاف فأصحابه كثيرون من الوهابية الجهلاء والتيمة الحشوية المتعصبين.
وفي ختام هذا المبحث أود أن أقول أنه لو أحتج كل طرف على الآخر بالروايات التي في كتبه لخرجنا بالطامات والله من كتب السنة والشيعة. وإني ذاكر لك بعض الأمثلة من كتب السنة كي تفهم وتعرف أن كثير من الروايات لا يمكن أن تتخذ حجة على عقيدة مذهب بأكلمه. ألم يخرج ابن ماجة في سننه الحديث المروي عن عائشة: " نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها"، فلو أراد الشيعة التشنيع على السنة لشنعوا بذلك الحديث وبغيره، وجوابك عن هذه الرواية هو نفس جواب الشيعة عن رواياتهم. ألم ينقل الحافظ السيوطي في كتابه الإتقان قول عمر بن الخطاب حين قال: " لا يقولنّ احدكم قد أخذت من القرآن كلّه ، وما يدريه ما كلّه ؟! قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر"، والعهدة على الحافظ السيوطي في نقله وليست علي فأنا لا أؤمن بتلك الرواية. ألم ينقل الفخر الرازي في تفسيره الكبير في قوله تعالى : ( إنّ هذان لساحران) فقال: « القراءة المشهورة ( إنّ هذان لساحران ) ، ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً ، أحدها : قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر : إنّ هذين لساحران . قالوا : وهي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن ، وروي عن عثمان أنّه نظر في المصحف ، فقال : أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها. فكل تلك الروايات لم يذكرها الشيعة ولكنها في كتب السنة. وأكرر فجوابكم عن تلك الروايات هو نفسه جواب الشيعة عن رواياتهم، فافهم. وها أنا أدعو الله لك بحسن الفهم، فلا يعزب عليه شيء سبحانه.
وهناك دعوى أخري باطلة وهي أن الشيعة يسبون الصحابة وهذا كذب بحت ومحض افتراء، ويستشهدون بأحاديث ضعيفة، ومن يكفر الصحابة ليس هو بشيعي ولا بسني ولا مسلم ولكن ليس كل من صحب النبي قد صار صحابيا، فعلينا أن نعي أولا من هو الصحابي؟، فكيف يكفر الشيعةُ الصحابةَ و كانوا جلهم يحاربون مع سيدنا علي أمير المؤمنين في حروبه حيث كان معه أكثر من ثمانين بدريا وتسمعائة ممن بايعوا تحت الشجرة، كانوا معه في الجمل وصفين. كيف يكفر الشيعة ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبادة بن الصامت وعمار بن ياسر وقد حاربوا معه وشهدوا مشاهده وقتل هذا الأخير بين يدي مولانا علي في صفين وقتلته الفئة الباغية فئة معاوية كما أخبر النبي، كيف يكفرون خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين الذي جعل الرسول شهادته بشهادة عدلين من الرجال، كيف يكفرون أبو ذر جندب الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود بن عبد يغوث، ومالك الأشتر وغيرهم. كل هؤلاء حاربوا مع سيدنا علي وقتلوا بين يديه. وكيف يكفرون أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي وكانت من شيعة مولانا أمير المؤمنين ومن أنصاره، كيف يكفرون محمد بن أبي بكر الصديق الذي كان مواليا لعلي ومن عماله على مصر والذي خالف أخته السيدة عائشة وأنكر عليها محاربتها لسيدنا علي، ولقد ندمت السيدة الكريمة عائشة أم المؤمنين على ذلك وكانت تقول "ما لي ولعلي" كما هو مذكور في التواريخ (كالطبري وابن الأثير وأبي الفدا وغيرهم). والمسلم سني كان أو شيعي أو معتزلي أو صوفي ليس بسباب ولا لعان، ومن يسب ويلعن فهو عاص خارج عن تعاليم الشريعة أيا كان. و أنا كثيرا ما أتابع قناة الأنوار والمنار وهما كما تعلم شيعيتان فلم أجد يوما عالما يسب أبا بكر أو عمر. فلا تحتج بشذاذ المذهب على عقلائه، ولا بعوامه على علمائه.
وأما عن السب واللعن فقد أورد الطبري في تاريخة أن معاوية ومن بعده بني أمية قاطبة استن سب سيدنا علي على منابر الشام حتى جاء عمر بن عبد العزيز وأبطل تلك البدعة التي استقرت في قلوب المنافقين من بني أمية، فبنو امية هم السبابون اللعانون المنافقون. فافتح كتب التاريخ للطبري وابن الأثير واليعقوبي وغيرهم ستجد ذاك مسطورا مزبورا. ألم يخالف معاوية عهده مع سيدنا الحسن بن علي بعد أن اتفقا على أن يتخلى الحسن عن الخلافة على أن تكون له ولاية العهد، فغدر به وولي ابنه الفاجر يزيد شارب الخمر وفاسد الأمر، فما قولك في الحانثين والناقضين للعهود والمواثيق؟ ألم يقتل معاوية حُجْرَ بن عدي الكندي وكان صحابيا جليلا، فما جزاء من يقتل مؤمنا متعمدا؟، ألم يقتل جيشه عمارَ بن ياسر فصح فيهم أنهم هم الفئة الباغية؟ ألم يقل الحسن البصري أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة:
1) انتزاءه بالسفهاء على الأمة حتى استبد بالأمر وفيها بقايا الصحابة وذوو الفضيلة.
2) استخلافه ابنه يزيد مخالفا عهده مع الحسن بن علي.
3) ادعاؤه زياد بن سمية، وأمه زانية، وقال الرسول "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
4) قتله حُجْر بن عدي الكندي، ويله من حجر، ويله من حجر.
وما كان معاوية يذكرعليا إلا ويقول "أبو تراب" وكان يضطهد من يتكلم في فضائل علي حتى أن العلماء إذا أرادوا الحديث عنه كنوا ولم يصرحوا باسمه فيقولون "أبو زينب". ألم يستلحق معاويةُ بن صخر "زيادَ بن سمية" متفاخرا بزنا أبيه صخر بن حرب. ولقد تواترت الروايات التي يعترف فيها أبو سفيان بزناه وأن زياد هو ولده من السفاح والزنا، لكن العرب لم تسلم له بذلك، افتح تاريخ ابن عساكر ستشم رائحة ذلك، وأبيات الشاعر ابن مفرغ الحميري في ذلك مشهورة وهي التي قال فيها:
ألا أبلغ معاوية بن صخر * مغلغلة مـن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد ان إلَّـك من زياد * كـإلِّ الفيل من ولـد الأتـانِ
والإلُّ هو النسب والقرابة، والأتان هي أنثى الحمار، وصخر هو أبو سفيان إن كنت لا تعلم. وأخرج الطبري في تاريخه 6: 123 بإسناده عن أبي إسحاق: إن زيادا لما قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. قالوا: ادعنا إلى ما شئت. قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: أما بشهادة الزور فلا، فأتى البصرة فشهد له رجل. رغم كل هذا فقد استلحق معاوية زيادا على أنه أخوه رغم قول النبي "لعن الله من انتسب لغير أبيه".اذهب وافتح "الاستيعاب"لابن عبد البر وتاريخ أبي الفداء وأسد الغابة لابن الأثير ستجد ذاك هناك. فإن كنت لا تعلم (وهذا هو الراجح) فتلك مصيبة، وإن كنت تعلم فالمصيبة أعظم.
وتحدث المفضوض فوه عن خيانات الشيعة ووسمهم بالخيانة ومساعدة المغول كما فعل ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي، وتلك فرية يروجها الجهلاء دون تبين أو تبصر، وهم لأسف لا يعرفون من نصير الدين الطوسي ومن أبن العلقمي غير الأسماء فقط، وللأسف ينخدع من لا علم عنده بما يروجه أذناب الوهابية وذيول المذهب التيمي، يأتون بنصف الحقيقة ويخفون النصف الآخر كي يغرروا بالبسطاء، ويخلطون جزءا من الحق بكثير من الباطل حتى يفوتوا أراجيفهم على جهال الناس وبسطاء العوام. وسأتحدث بعيد قليل عن أمر نصير الطوسي والوزير مؤيد الدين ابن العلقمي مع المغول، ولكن قبل ذلك سأشرح لك حال الخليفة السني ألا وهو المستعصم آخر خلفاء بني العباس الذي كان منشغلا باللهو واللعب وسماع الأغاني كما ذكر صاحب "الآداب السلطانية"، ولم يهتم بأمر المغول حتى حلوا ببابه. لقد روي ابن كثير ان المستعصم كانت ترقص بين يديه راقصة من محظياته فأصابها سهم من أحد الشبابيك فقتلها فأمر الخليفة بعمل الستائر المغلظة على دار الخلافة (البداية والنهاية 13/233). وكان مؤيد الدين محمد بن العلقمي ينشد دائما متحسرا على الخلافة فيقول :
كيف يرجى الصلاح في أمر قوم * ضيعوا الحزم فيه أي ضياع
فمطاع المقـال غيـر سـديـد * وسـديـد المقال غير مطـاع
وكان الخليفة قد قطع أرزاق الجند وأخبازهم حتى أن ابن العلقمي خشية على الجيش كان يحثهم على المطالبة بأرزاقهم ولكن الخليفة كان مشغولا بأشياء أخرى وكان قواد الجيش والدويدار يسرقون من ميزانية الجيش. وإذا كان الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي غير موثوق فلماذا ولاه المستعصم وزيرا؟ فأيهما أكثر خيانة الخليفة الفاسد اللاهي الساهي عن أمور الدولة أم مؤيد الدين بن العلقمي الذي يتهم بالخيانة زورا. فهو لما علم بضعف الخليفة وقوة المغول لم يجد فائدة من المعارضة، فالمغول قادمون لا محالة، فعمل على مداراة المغول ومداهنتهم وعدم إظهار العداوة حتى ينجو بحياته ولعله يقنع هولاكو بالحفاظ على حياة المسلمين والحفاظ على بغداد. وفي نفس السياق كان دور نصير الدين الطوسي الذي قال عنه خليل ابن أيبك الصفدي أنه كان أعلم أهل الأرض بفن المجسطي وبعلم الفلك والنجوم، انتهى. واليك نبذة عن تاريخ نصير الدين الطوسي علها تجلي بعضا من ركامات الجهل المطبق على العقول:
هو محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، نصير الدين، والمعروف بالمحقق الطوسي. ولد في القرن السادس الهجري سنة 597، وتوفي في بغداد سنه 672 وكان عالما فذا وعده خليل بن ايبك الصفدي في لامية العرب من الرجال الذين لم يصل إلى رتبتهم أحد في فن المجسطي و الأرصاد وعلم النجوم. وقال عنه العلامة الحلي : هو أستاذ البشر والعقل الحادي عشر. ولد في طوس من أعمال إيران، وهي التي دفن بها الإمام علي الرضا، كما دفن فيها أيضا هارون الرشيد بن المهدي العباسي وكانت مدينة عامرة كبيرة فيها المروج والأنهار والمباني الفحمة.
وللطوسي أسهام كبير في علم النجوم ودراساته الحسابة والهندسة وهو الذي استحدث نظام الجداول الفلكية التي استخدمها الأوروبيون في عصر النهضة كما يقول بروكلمان، و كان له مرصدا يجري فيه أبحاثه. وكان أول مرصد هو مرصد أبرخسن في اليونان، وبعده مرصد بطليموس في الأسكندرية، واول مرصد انشيء في الإسلام هو مرصد الخليفة المأمون في بغداد ثم مرصد محمد جابر البستاني في الشام، وأقيم المرصد الحاكمي في مصر في عهد الفاطميين.
ولما اجتاح المغول بلاد المسلمين من قبل المشرق ودخلوا العراق والشام، أيقن نصير الدين أنه لا فائدة من اظهار العصيان والتمرد لأنه سيقتل إن فعل وقرر أن ينتهز حاجة هولاكو إليه لعلمه بالفلك والنجوم. فاحتال نصير الدين من أجل أن يقنع هولاكو بالتوقف عن التخريب بل وأقنعه بمساعدته في بناء مرصده. وكان نصير الدين هو المسئول عن الأوقاف والمدارس ورعايتها فعمل على نشر الفلسفة وباقي العلوم العملية الأخرى وأنشأ لها مدارسا ومعاهدا. ويموت هولاكو ويأتي من بعد أبَقَاخان ومن بعده أخوه تكودار الذي أسلم وسمى نفسه أحمد تكودار وكل هذا بصبر الطوسي وبعد بصيرته. فلم يمت الطوسي كما قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي حتى جدد العلوم الإسلامية فإن الأنتصار على التتار لم يكن بهزيمتهم في موقعة عين جالوت فقط ولكن الأهم هو فتح قلوبهم للإسلام وهدايتهم له وهذا ما فعله نصير الدين الطوسي. فاستطاع نصير الدين بعقله وتدبيره وصبره من أسلمه المغول الوثنيين، فانتشر الإسلام انتشارا واسعا. فقد كان الطوسي حريصا على حياة العلماء وعلى الكتب والمكتبات. فالتحاق الطوسي بهولاكو أنجته من القتل وساعدته على الحفاظ على العلماء ونشر العلم وإقامة أكاديمية علمية في مراغة. وروي جمال الدين يوسف الظاهري في كتابه "المنهل الصافي و المستوفي بعد الوافي" أن هولاكو أمر بقتل نصير الدين، و جرت بينهما محاورة فقال نصير الدين في ليله كذا يخسف القمر. فقال هولاكو احبسوه فإن صدق أطلقناه واحسنا إليه، وان كذب قتلناه، فلما جاءت الليلة سكر هولاكو ونام وخسف القمر خسوفا بالغا، فقال نصير الدين لأتباع هولاكو وقد صدقوه لما رأوا القمر قد خسف دقوا على الطاسات لئلا يذهب قمركم إلى يوم القيامة ولا يعود، ففعلوا وكثر اللغط و الصخب فانتبه هولاكو ورأى القمر قد خسف، وكان ذاك سبب التحاق نصير الدين بهولاكو، ومن هنا نشأت عادة العوام في الدق على النحاس إذا خسف القمر.
ولتعلم أن أول من أضير من حملات المغول هم طائفة الإسماعيلية المنتسبة للشيعة فقد دخل هولاكو قلاعهم في "ألمُوت" وقتلهم قتلا ذريعا ونهب أموالهم، أفهل تآمر الشيعة على أنفسهم وكانوا سببا في سقوط بغداد أم فساد الخليفة وتخاذله وضعفه هو الذي جرأ المغول على التقدم؟ أجبني إن كنت تستطيع. فالوزير مؤيد الدين كان فردا واحد لا يملك جنودا وحتى إن فرضنا خيانته وهذا غير صحيح فكيف تؤثر خيانة فرد أو فردين او ثلاثة في سقوط خلافة عظيمة مترامية الأطراف؟ وعلى فرد خيانة الوزير مؤيد الدين ألم يتعامل كثير من التجار السنة مع هولاكو وكانوا يرسلون له بما يحتاج من ملابس لجنوده، اقرأ في تاريخ الدولة الخوارزمية ستعلم ذلك. فلماذا لا تتهمهم بالخيانة أهل لانهم كانوا من السنة. فالخيانة يا أخي مرفوضة من أي إنسان سني كان أم شيعي ولا علاقة لمذهب بها فإذا خرج من الشيعة خائن هل كل الشيعة يصبحوا خائنين؟ كلا. وكذلك إذا خرج من السنة خائن فهل نقول أن أهل السنة كلهم خائنون؟ ألم يتحالف الملك الكامل الأيوبي وهو ابن أخي صلاح الدين مع فريدريك الثاني إمبراطور الرومان ضد أخيه المعظم الأيوبي، ووعده باعطائه بيت المقدس. أهل كان الكامل شيعيا؟ أراك صامت فماذا دهاك؟ ألم يفعل نفس الشيء الصاحب إسماعيل الأيوبي صاحب دمشق وسلم للصليبيين القدس وطبرية وعسقلان؟ أعلم انك ربما جاهل بتلك الحقائق، وها أنا ذا أبصرك بها، فلا يستحثنك كبرك على إنكار الحقيقة. ولقد ورد كل ذلك في الكامل في التاريخ لأبن الأثير الجزري وهو لعلمك مؤرخ سني وليس شيعي. وفي عصرنا الحديث ماذا عن فؤاد السنيوة السني اللبناني الذي يصافح قتله المسلمين وحلفاء بني صهيون ويقف بجانبه ويدعو له المفتي السني اللبناني؟ ما رأيك في هذا المشهد؟ وماذا عن الحلف والقواعد الصليبية في عقر دار الوهابية في أرض الحرمين؟ أهل نقول ان السنة كلهم خونة؟ كلا ليس هكذا تورد الإبل. وإنه يصدق فيك قول الشاعر "رب عائب لكل شيء وكل ما فيه عيب". ولقد كان مع هولاكو شخصيات سنية يذكرها التاريخ مثل محمد الجويني الذي استأذن هولاكو في أن يأخذ مجموعة كتب وآلات من مكتبة قلعة ألموت فأذن له. وكذلك القاضي السني نظام الدين عبد المنعم الذي تعاون مع المغول ضد الدولة العباسية، وماذا عما ذكره ابو الفداء في تاريخه عن الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل الأيوبي الذي أقام عليه الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الحجة على مراسلته ومكاتبته للمغول؟ أهل تظن ان بَائَك تَجُرُّ وباء غيرك تنصب ولا تجر؟ وماذا لو أن ملكا شيعيا هو الذي فعل ذلك؟ قد كنتم أقمتم الدنيا وما أقعدتموها أيها الوهابية، فلماذا أنتم عمون عن الحقائق وتكيلون لأنفسكم بكيل غير الذي تكيلون به للناس؟ أنا لا أخاطبك أنت برسالتي هذه فأنا اعلم أنك جاهل مسكين متأثر بأساطين الوهابية ممن يتزيون بزي العلماء ويرتسمون برسمهم.
واعلم أني لا أدافع عن الشيعة ولا أبرئهم فعند عوامهم وشذاذ علمائهم من المعايب الكثير ولكنهم يعملون على التخلص منها أما أنتم أيها الوهابية فمعايبكم كثيرة ولكن لا تتخلصون منها. فعن التتبير وجلد بعض عوام الشيعة لأنفسهم فقد أفتى الخامنئي بحرمة ذلك، ولا يفعله إلا بعض العوام في العراق فقط، أفهل رأيت شيعيا في لبنان يفعل ذلك؟ كلا. أما عن قبر أبو لؤلؤة المجوسي فالذي يقدسه ثلة من المجوس المتأسلمين المنسوبين ظلما للشيعة وقد أمرت الحكومة الإيرانية بإغلاق المزار، وهو الآن مغلق إلى أن يهدم. ونحن إذ أتينا على قصة أبو لؤلؤة أود أن أقول أن سيدنا عمر رضوان الله عليه أخطا الإجتهاد حينما أقر المغيرة على رأيه وسمح له باستبقاء أبو لؤلؤة مع أن الرسول في وصاياه قبل قبضه عليه الصلوات والتسليمات قال "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ولم يستثني النبي منهم أحدا، فرحم الله أبا حفص، عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يا ليته نفذ وصية النبي فأراحنا من تلك المحنة التي نحن فيها!! ثم هناك أمر آخر ألم يبني المسلمون خلافة سنية عظيمة في عهد آل عثمان سميت بالخلافة العثمانية، فمن تحالف ضدها وحاربها مستعينا بالإنجليز أليست الوهابية؟؟ فالوهابية أصل نشأتهم خيانة، هذا فقط إذا قسناكم بمقياسكم وكلنا لكم بكيلكم. ألم يحارب محمد على باشا عامل الدولة العثمانية على مصر محمد بن عبد الوهاب رأس مذهبكم الفاسد حتى قضى عليه. وحربي على الوهابية ناشئة من قول الله "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"، ولقد شنت الوهابية حرب الدعاية والإفتراءات على الشيعة، فقررت أن أحاربهم وأظهر عوارهم حتى يكفوا ألسنتهم الكاذبة عن المسلمين جميعا شيعة كانوا أو سنة أو معتزلة أو صوفية. والعاقل الذي يريد أن ينقد فعلية بنقد الأفعال لا الأشخاص والطوائف حتى لا تتأجج نيران الفتن بين المسلمين، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. لكن للأسف كثيرون هم هؤلاء الجهلاء الذين يرتقون المنابر في هذا الزمان الذي تنبأ به الرسول الأكرم بانتزاع العلم بقبض العلماء فيتخذ الناس رؤسا ودعاة جهالا فيُضِلوا ويَضِلوا، فقد ذهب أهل العلم وبقي أهل الجهل والسفاهة إلا من رحم الله.
ويتحدث كثير من المهوسيين ضد الشيعة عن مساعدة إيران لأمريكا في حربها ضد أفغانستان، ونسوا أو تناسوا أن الحليف الأكبر للصليبين الأمريكان كانت دولة باكستان السنية أليس ذلك بصحيح؟ فانت تعلم ذلك جيدا، فإن كنت لا تعلم فها قد علمناك وإن كنت تعلم فها قد ذكرناك، وإن كنت غافل فها قد نبهناك. ومن الطبيعي ألا تناصر إيران نظام طالبان السلفي الجاهل لأنهم قتلوا الشيعة والديبلوماسيين الإيرانيين وناصبوهم العداء، ولكن ماذا عن باكستان السنية لماذا لم تناصرهم، بل لماذا حاربتهم؟ وماذا عن دول الخليج السنية التي تحالفت مع الصليبيين في حربهم ضد العراق؟ ألم تخرج الطائرات الصليبية من عقر داركم في بلاد الحرمين وربما حلق بعض منها فوق بيت الله الحرام والكعبة المشرفة؟ لقد كان البيزنطيون يدفعون الجزية للخلافة الفاطمية الشيعية حتى عهد الخليفة المستنصر وكم ذلت الروم في عهد الولة الفاطمية وانتشر الأسطول الإسلامي الفاطمي في البحر المتوسط كما تنتشر الأساطيل الأمريكية الآن في خليج العرب، في حين أن العباسي يتحالف مع البيزنطي ضد الدولة الأموية في الأندلس، وهؤلاء يتحالفون مع البيزنطيين كذلك ضد أولئك.
كنت أود فقط من خلال هذه الوريقات أن أنبه على أنني مسلم مستقل لا أنتمي إلى أي مذهب او طائفة، فديني الإسلام ومذهبي الحقيقة، مسلم يسعى للتوحيد بين المسلمين وعمدت إلى أن أوضح للوهابية شناعاتهم وعيوبهم حتى يكفوا عن عيوب الآخرين. فلست مدافعا عن الشيعة إلا قول الحق كما لست مزريا على الوهابية إلا قول الحق، الوهابية الذين ينسبون أنفسهم زورا إلى أهل السنة والجماعة وهم ليسوا كذلك ، فكما قلت فالحقيقة هي مذهبي، وهذا هو خلق المسلم يسعي دوما للتوحيد بين المسلمين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم. فقد افترق الناس وسموا أنفسهم مسميات هم أبعد ما يكون عنها. فنحن لا نريد هذا الإسلام النفطي الوهابي الأسود الذي يتخفى خلفه حكام الجزيرة ومن تبعهم، ولا نريد الإسلام التتبيري الشيعي الأحمق الذي يجاهر به عوام الشيعة وبعض جهلاء علمائهم في العراق. ولقد تاهت الأمة بين هذين الطرفين المتطرفين. ولكن الله تعالى بفضله ومنه قيض لهذه الأمة من الجانبين ثلة من الحكماء العقلاء الذين يعطون لكل مذهب قدره ولا يحتجون على مذهب بفعل عوام المنتسبين إليه ومتطرفي علمائه. ولكن صوت هؤلاء ضعيف أمام تشنيع المتطرفين الحمقى من هنا وهناك. فلماذا لا نركز على محاسن كل طرف ونأخذ العقلاء من الشيعة والنماذج الحسنة فيهم على أنهم هم الشيعة وهم المثال الشيعي الذي يجب أن يحتذي. ولنعلم أن في كل طائفة أخطاء عقيدية وفقهية وأدائية يمكن أن ينتهزها متشددو الطائفة الأخري ويجعلوا منها مطية للتشنيع والزراية على الطائفة الأخري. فإذا علم كل واحد أن هناك أخطاء مذهبية عند غلاته فعليه ألا يشنع على المذاهب الأخري. حتى لا نصل إلى الحال التي وصلت إليها أحوال أتباع المذاهب الأربعة حيث كان يقام الصلاة في فترة من فترات الزمان القديم لكل أتباع مذهب على مذهبهم، فيقال الصلاة لأتباع الحنفية فيقومون يصلون بمعزل عن اتباع المذهب الحنبلي والشافعي والمالكي والظاهري، وكانت الحرب بين الحنفية والشافعية على أوجها حتى أنهم حرموا التزاوج فيما بينهم. فقد كانت الخلافات حتى بين المذهب السنية على أشدها في ذاك العصر، ومن هنا فإنه ليس بالغريب أن يختلف السنة مع الشيعة فقد اختلفوا مع أنفسهم وتحاربوا ومازالوا مختلفين بين إخوان وسلفية وجهاد وتبليغ وغير ذلك. وكل ما شذ عن هذه المساحة الوسطية فإنه خارج عن الفهم الصحيح وغارق في العصبية العمياء ولا اعتداد بقوله. فما بال أخلاقنا صارت كأخلاق الذباب لا نفرق بين العسل والبراز، ولا يخرج لنا إلا ونيما لا فائدة فيه، وكان أقمن بنا وأحرى ان نتحلى بخلائق النحل لا يحط إلا على الزهور والرياحين فينتج لنا سكرا وعسلا رائق طعمه ولذة للمستطعمين. هذا غيض من فيض، ولولا ضيق المقام لأوردت الكثير، و أرجو أن يكون ذلك دليلا على أقوالي فأنا لا آتي بأقوال مرسلة معاذ الله. وإن في هذا والله إقناع لمن يتدبر، أما المكابر أو المعاند فلن يقنع أو يقتنع ولو أشربته ماء البحر. والسلام.
الثاقب المعتلي
منقــــــــــــــــــــــــــــول
كاتبها: جهاد الدين الأمين
د. دكتوارة اللغويات والأسلوبيات المقارنة- جامعة عين شمس
باسمه جل شانه
أما بعد:
لقد وصلتني رسالة بعنوان "هذا بيان للناس" كتبها أحد المجاهيل، فيها من الأراجيف و التخليط ما فيها، فعمدت إلى تفنيدها على الإختصار ففي لطيف الإشارة ما يغني عن صريح العبارة، والمقام يضيق عن الإسهاب وليس في البال وسع ولا في الوقت فسحة. هذا بعد الحمد لله والثناء علية بما هو أهله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. وكان الأحرى أن تُسَمَّى تلك الرسالة "هذا ضلال للناس"، حيث حوت من الخرافات الميثولوجية والخزعبلات الخيالية ما تأباه النفوس المستقيمة وتمجُّه العقول القويمة.
لقد ابتلينا في مصرنا الحبيبة بطائفة من أذناب الوهابية يظنون أنفسهم على الحق وهم ليسوا على شيء، فكثيرا ما يشغبون ويخلطون ويهرفون بما لا يعرفون، فهم مصابون بداء الجهل المركب وذلك نابع من ضحالة عقولهم وضعف منطقهم، وسفاهة أحلامهم ينسبون أنفسهم ظلما وعدوانا إلى أهل السنة والجماعة وهم أبعد الناس عن السنة والجماعة، يكفرون طوائف المسلمين من معتزلة وشيعة وأشاعرة وغيرهم، ويكأن الإسلام ثوب قد لبسوه ولا مجال أو متسع لغيرهم فيه، يشنعون على غيرهم بما هو فيهم فصحت فيهم مقالة العرب "رمتني بدائها وانسلت"، وليتهم قبل أن يبصروا ذرات الغبار في عيون غيرهم أبصروا جلاميد الحجارة في عيونهم. فما بال الوهابية يشنعون على الشيعة والمعتزلة والأشاعرة وكل من خالفهم ويجعلوهم كلهم في سلة واحدة ويخلطون الحابل بالنابل ولا يفرقون بين الجبن والطباشير. وتشنيعهم على الشيعة كثير في تلك الأيام نظرا للدعاية الوهابية والمال الوهابي المنتشر ذات الشمال وذات الشمال، والسياسة تلعب ألاعيبها في هذا المضمار.
ففي تلك الرسالة البتراء التي فيها من الجهل والسفاهة ما فيها والتي تدل على فدامة كاتبها أيما دلالة، فيها حقد أسود على من سماهم "بأهل الجبن و الغدر" وهو يلمز الشيعة، فويل لكل همزة لمزة. وكل ما جنته الشيعة أن طائفة منهم في لبنان قد نصرهم الله بنصره وأيدهم بروحه وجعل كلمتهم العليا على بني صهيون ومن ورائهم من الأمريكان الصليبيين ، فأظهرهم على أعدائهم وتلك هي سنة الله الذي قال "وكان حقا علينا نصر المؤمنين". فلقد نصرهم الله وهم قلة مستضعفون عددا وعتادا وعدة، فصدق فيهم قوله تعالى "وكم من فئة قلية غلبت فئة كثيرة بإذن الله". فثار الإحن في قلوب الحاقدين ومكروا بالليل والنهار عاملين على التقليل من هذا الإنتصار والزراية على المجاهدين ولا حول ولا طول إلا بالله. فكيف بالله ينتصر أهل الغدر والجبن، أجبان ينتصر؟ "كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا"، بل هم أسود الله في الميدان وليوث الدين في حلائب الحروب، هم أبناء محمد وعلي والحسن والحسين وآل بيت رسول الله وصحابة رسول الله، هم الذين يملكون إيمانا لا يملكه أحد على وجه الأرض إلا من رحم ربك. فنشأت ثلة من الحشوية ونابتة العصر وجهال الزمان يروجون الشائعات والأراجيف على الشيعة وغيرهم، فتارة يحتجون بفعل العوام الجهلاء من الشيعة ويلعبون على عواطف الناس البسطاء الذين لا نصيب للعلم والفهم عندهم بذلك، ومن المعلوم أنه لا يحتج أبدا بفعل العوام. فلو كان فعل العوام حجة لوجدنا الطامات في عوام الوهابية في السعودية بل ورؤسائهم من حيث التحالف مع النصارى والسماح لهم بإقامة القواعد على أرضيهم، وغزو بلد مسلم آخر، فاتبعوا سنن من كان قبلهم حذو القذة بالقذة ودخلوا جحر الضب بلا حياء وصدقت فيهم نبوءة المصطفى. وطورا يحتجون بأقوال شواذ العلماء المنتسبين للشيعة، فيأتون برأي شاذ ويعممونه على الجميع، والتعميم من صفات الجاهل. ولو عرفوا أن في كل مذهب أراءا شاذة و هفوات ودسائس دست فيه لما شنعوا كما هو حالهم. فيأتون من كتب الشيعة كالكافي والوسائل وبحار الأنوار بروايات ضعيفة ومنكرة لا يقبلها علماء الشيعة المعتدلين وهم كثير، ولقد بحثت في هذا الامر كثيرا حتى تبين لي وانجلت ظلمته. ومن المعلوم أنه في كل كتاب من كتب الحديث يمكن أن توجد فيه الكثير من الروايات المكذوبة والإسرائيليات حتى البخاري الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون فيه ما فيه من الأحاديث الساقطة متنا ودراية حتى وإن صححوها سندا ورواية كالحديث الذي يفيد بأن موسى فقأ عين ملك الموت لما جاءه قابضا، ولو كان لدي متسع من الوقت لجئت برقم الحديث ورقم الصفحة من البخاري و لكني كتبت هذا الرد على عجالة؛ فهل يمكن لمسلم أن يعتقد أن ملك الموت أعور أو أنه يقبض الأرواح بعين مفقوءة أو أنه مر عليه زمان وهو مفقوء العين، وهل لمسلم أن يعتقد ان نبي من أنبياء الله بل ومن أولي العزم سيء الخلق و لا يرضى بقضاء الله!! حاشا لله ولملك الموت ولموسى. فلو أخذت كل طائفة في التشنيع على أختها لضاع الدين وكم هي فرحة الأعداء من أبناء الصليب وصهيون بخلافاتنا ومماحلاتنا التي لا طائل من ورائها ولا محصول معها إلا الكراهية والبغضاء، فلماذا نتحارب ولا نتحاب ونتناصح ونصطبر على النصح حتى نغير ما نراه شاذا بالحوار ليس بالشجار والنفار؟ ما الفائدة أن يتهم البعضُ الشيعةَ بالرفض ويتهمهم الشيعةُ بالنصب؟ والله لا أدري. فماذا لو تفهم كل طرف وجهة نظر الطرف الآخر وبدأ يناقش أدلته عليها بأسلوب منهجي وعلمي بغية الوصول إلى الحق، دون سباب أو شتم. ولكن للأسف الشديد فإن خمر المذهبية قد أسكرت العقول وأمات غَوْلُها القلوب. لكن الوهابيين المتعصبين يأبون ذلك. وما ورد في كتب الشيعة من أمور غريبة فقد ورد في كتب السنة ماهو منها أغرب، ولا تفتح بابا للجدل في هذا الأمر فمرتعه وخيم، ومآله أليم. والشيعة يضعفون جل روايات الكافي لا كما يفعل الوهابية حين يقولون أن البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله.
فالإدعاء على الشيعة بأنهم يقولون بتحريف القرآن إدعاء باطل لا يقوم على ساق وإن ألف بعض الشيعة في التحريف فذاك راجع اليه وما الزراية إلا عليه و ليس على الشيعة، فالطبرسي و البرقي قولهما مردود عليهما
وليس بحجة على المذهب، وإجماع علماء الشيعة على أن القرآن هو ما بين الدفتين بلا زيادة و لا نقصان، ومن شذ فشذوذه على نفسه، ودعنى انقل لك هنا قول العلامة نور الله التستري وهو من أكابر محققي الشيعة حيث قال ما نصه " ما نسب إلى الشيعة الامامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة ، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم". وفي معرض الحديث عن الشذوذ، أفلم يشذ شيخك أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي حين خالف آي القرءان وادعى فناء النار وعدم خلود الكافرين فيها فخالف قول الله تعالى "خالدين فيها أبدا" والأبدية منافية للفناء، أليس كذلك؟ إني أعلم أنك ربما جاهل بمذهب شيخك وتلك مصيبة كبرى، و أما إذا كنت عالم به فالمصيبة أكبر و أجل. ألم يقع ابن تيمية في التشبيه المحض حينما استشهد بحديث الرسول الذي مفاده أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل... الخ. وقال أن الله ينزل إلى السماء الدنيا "على الحقيقة"، فالرسول لم يقل في حديثه جملة "على الحقيقة" هذه، فمن أين جاء بها ابن تيمية؟ لم يتأول كلام النبي بما لا يعرف ولا يفهم ويقول على الله الكذب وهو لا يعلم! جل سبحانه عن النزول و الصعود و الإنتقال فهو خالق الزمان والمكان فلا يحده زمان و لا يحيط به مكان، وليس المقام مقام علم التنزيه حتى اتوسع لك في الشرح فإذا أردت الزيادة فعليك برسالتي بعنوان "تسفيه التشبيه" ففيها شفاء من التشبيه بإذنه تعالى. ومن أجل غرامه ببدعة التشبيه أنكر ابن تيمية شيء معلوم من اللغة بالضرورة ألا وهو المجاز، و لقد رد عليه الإمام ابن جهبل وتقي الدين السبكي، والتاج السبكي صاحب الطبقات وغيرهم من الأفاضل الأثبات ردا بليغا، كما رد على الذين ينفون المجاز أمامُ اللغة وفقيه العربية صاحب أسرار البلاغة الإمام عبد القاهر الجرجاني، فارجع إلى أسرار البلاغة واطلب علم اللغة من مظانه وأصوله الشريفة ومواطنه المنيفة وليس من عند حاطب ليل. وادعى ابن تيميه كذبا وزورا أن عقيدته في التشبيه هي عقيده السلف، حاشاهم ثم حاشاهم، بل هم منزهون رغم أنوف الجاهلين. ألم يفسر ابن عباس وهو حبر الأمه وترجمان القرآن قوله تعالى "وسع كرسيه السموات والأرض" فقال كرسيه علمه، أرجع إلى تفسير الطبري ستعلم ما أقول لك، هذا فقط للتمثيل لا للحصر، فلا مجال للإسهاب لضيق وقتي وانشغال بالي. ولعمري إن آيه واحده في القرآن لكفيلة بأن تلزم ابن تيمية بالقول بالمجاز في اللغة وهي قوله تعالى "كل شيء هالك إلا وجهه" فماذا يقول الحشوية من مشبهة العصر في هذه الآية؟ فماذا عن الجوارح التي نسبتموها إلى رب البريات جهلا وسفاهة، أهالكة هي الأخرى!! سبحانه سبحانه. هذه الآية فقط خمس كلمات أتت على عقيدتكم من أصلها وعلى بنيانكم من أساسه، فأصبح أثرا بعد عين، ولا كرامه. وماذا عن قوله تعالى "وأينما تولوا فثم وجه الله"؟ فرد عن شيخك إن استطعت، لكن هيهات. ألم يصل للحضيض في التشبيه حينما قال أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا ونزل على المنبر، كما نقله ابن بطوطة في رحلته وابن حجر في الدرر الكامنة والشيخ الحسني الشافعي في كتابه "دفع شُبَه من شَبَّهَ وتمرد". ألم ينقل أبو حيان الأندلسي في تفسيره الموسوم بالبحر المحيط أنه قرأ في كتاب العرش لابن تيميه بخطه أن الله جالس على العرش وقد أخلى بجواره مكانا يجلس فيه محمد، وأيد ذلك ايضا صاحب كشف الظنون، وللعلم فكل هؤلاء السابق ذكرهم هم من السنة وليسوا بشيعة. ألم يقل ابن تيميه في منهاج "السنة" في الجزء الثالث، وأي سنة لا أدري، أن فكرة تقديم آل بيت النبي هي من آثار الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء. ألم يقل أيضا في منهاجه في الجزء الثاني في قوله تعالى "إنما يريد الله ليذهب عنك الرجس أهل البيت ويطهركم طهيرا" ان ذلك مجرد إرادة من الله ... ولا يعني ذلك أن الله قد طهرهم حقا"، لكم أساء الظن بالله ورسوله و آل بيته. ألم يقل في منهاجه في جزءه الثاني "ويزيد ليس بأعظم جرما من بني إسرائيل ، كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء ، وقتل الحسين ليس بأعظم من قتل الأنبياء"، فما قوله إلا شنشنة نعرفها من أخزم، فقوله ظاهره حق وباطنه باطل نابع من سوء نيته. ألم يقل في حق مولانا علي أنه قد أخطاء في سبعة عشر موضعا، وكان مخذولا حيثما توجه، وحاول الخلافة مرارا فلم ينلها، بل هو والله المخذول ولقد عامله الله بعدله لما مات مذموما في سجن القلعة بأمر من الملك الناصر بن قلاوون بعد ان حاوره علماء الأمة وقضاتها وأقاموا عليه الحجة. ولقد صدق ابن حجر حين قال في الفتاوي الحديثية حين قال " ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله ... وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله . . ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي ، وولده التاج ، والشيخ الإمام العز بن جماعة ، وأهل عصره وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية . . قال : والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن ، وأن يرمى في كل وعر وحزن . . ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال مضل غال ، عامله الله بعدله ، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله ، آمين . ( الفتاوى الحديثية : 86 ). ومن رسالة أرسلها الذهبي صاحب سير أعلام النبلاء إلى ابن تيمة اقتطف لك تلك الزهرة فشمها، قال الذهبي في رسالته لابن تيمية "... فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل ، أو عامي كذاب بليد الذهن ، أو غريب واجم قوي المكر ، أو ناشف صالح عديم الفهم ؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل ، يا مسلم ! أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك ، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار ؟ ! إلى كم تصدقها وتزدري الأبرار ؟ ! إلى كم تعظمها وتصعر العباد ؟ ! إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد ؟ ! إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح - والله - بها أحاديث الصحيحين ؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك ، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار ، أو بالتأويل والإنكار ، أما آن لك أن ترعوي ؟ ! أما حان لك أن تتوب وتنيب ؟ ! أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل ؟ ! بلى - والله - ما أدكر أنك تذكر الموت ، بل تزدري بمن يذكر الموت ، فما أضنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي ، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات ، وتقطع لي أذناب الكلام ، ولا تزال تنتصر حتى أقول : ليته سكت . فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك ؟ ! (تكملة السيف الثقيل 190). لقد صدق الذهبي فيما قال ومصداق قوله في زماننا هذا أنك لا تجد متبع لابن تيميه إلا كل سفيه جاهل، خفيف العقل، بليد الذهن يأخذ ما يلقى إليه دون فهم أو وعي، عالمهم جاهل جهل مركب، وجاهلهم خير من عالمهم لان ضرره أقل، واتباعه الآن هم الوهابية الذين نشأوا في صحراء نجد حفاة عراة يصاحبون البعير ويأنسون بالعقارب والحيات، مزاجهم رملي، فكرهم صحراوي، وأخلاقهم فظة بدوية، فالمثل إلى مثله ساكن والشبيه لشبيهه منجذب، وللأسف لهم أذناب كثيرة في مصر لكثرة الدعاية الوهابية وجهل أكثر الناس بالحقيقة واغترار كثير من العوام بهم. فمن أضل إذن أشيخك أم الشيعة؟ أما عن محمد بن عبد الوهاب منشيء البدعة الوهابية فاقرأ رسالتي على شبكة المعلومات الدولية في "مجلة العرب" بعنوان "عواصم الشهابية من حنادس الوهابية"، وستجد ما يسرك!
أما عن الروايات الدالة على الزيادة والنقصان في القرآن في كتب الشيعة فمثلها كائن في كتب السنة ولكن هل يعني هذا أن نطعن ونشنع!! فهناك روايات في البخاري مفادها ان عبد الله بن مسعود كان يقول أن المعوذتين ليستا من القرآن، فهل معنى ذلك أن نتهم السنة بأنهم يقولون أن في القرآن زيادة؟ لا ليس هكذا تورد الإبل، فالرد على الروايات الموجودة عند الشيعة هو نفس الرد على تلك الروايات في البخاري. وكي تعلم ان ليس كل روايات الشيعة صحيحة أورد لك قول آية الله التسخيري وهو من مراجع الشيعة الكبار قال بأن "جل روايات الكافي نطأها بالأقدام"، أي كثير منها روايات مدسوسة ولا يعتقد بها الشيعة. فلماذا تلصقون بالقوم تهما هم بريئون منها
وينفونها عن أنفسهم ويدفعونها بالأكف دفعا. ولو نقلت لك أقوال أكابر علماء الشيعة لضاق المقام ولكني ناقل إليك نتفا من أقوالهم ولمعا من عقائدهم. فمن أكابر علماء الشيعة الشيخ الصدوق علي بن بابويه القمي وقد قال في كتابه "رسالة الإعتقادات" ما نصه:
إعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ، ليس باكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشر سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة . ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب. (رسالة الإعتقادات، 93).
وقال الشريف المرتضي في "مجمع البيان" في الصفحة الخامسة عشرة من جزءه الأول ما نصه:
إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع الوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، واشعار العرب المسطورة ، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه في ما ذكرناه ، لأنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينيّة ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ... وإنّ العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً من الكتب المصنّفة ككتابي سيبويه والمزني ، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها ، حتى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعرف وميزّ ، وعلم أنّه ملحق وليس في أصل الكتاب. واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان ، حتى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وأنّه كان يعرض على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويتلى عليه ، وأنّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعبوغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدّة ختمات . كل ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتورٍ ولا مبثوت. ولقد نقل ابن حجر في الجزء الرابع من لسان الميزان في الصفحة 224 قول ابن حزم في الشريف الرضي " كان من كبار المعتزلة الدعاة ، وكان إمامياً ، لكنّه يكفّر من زعم أنّ القرآن بدّل أو زيد فيه ، أو نقص منه ، وكذا كان صاحباه أبو القاسم الرازي أبو يعلى الطوسي". فقول ابن حزم هذا يدل على أن ثلاثة من كبار علماء الشيعة الإمامية يكفرون من قال بتحريف القرآن. ولقد قال الشيخ الطوسي وهو شيخ الطائفة الإمامية في مقدمة تفسيره "التبيان في تفسير القرآن" ما نصه:
والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه ، وأمّا الكلام في زيادته ونقصانه فممّا لا يليق به أيضاً ، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى ـ رحمة الله تعالى ـ وهو الظاهر من الروايات . غير أنّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنّه يمكن تأويلها ، ولو صحّت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفّتين ، فإنّ ذلك معلوم صحّته لا يعترضه أحد من الامّة ولا يدفعه.
وقال العلامة الحلي في كتابيه سعد السعود وأجوبة المسائل المهدوية ما نصه:
الحق أنه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه ، وأنّه لم يزد ولم ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك ، فإنه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السّلام المنقولة بالتواتر.
ولقد ألف الشيخ الكركي العاملي وهو من أكابر القوم ومن عظماء محققي الشيعة- ألف رسالة في "نفي النقيصة في القرآن الكريم".
و من أجمل ما قيل قي ذلك قول القاضي الشهيد، السيد نور الله التستري حيث قال في كتابه "مصائب النواصب" ما نصه:
ما نسب إلى الشيعة الامامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة ، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم.
وقال المجلسي في بحار الأنوار ما نصه:
فإن قال قائل : كيف يصحّ القول بأن الذي بين الدفّتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان وأنتم تروون عن الأئمة عليهم السّلام أنّهم قرأوا : كنتم خير أئمّة أخرجت للناس ، وكذلك : جعلناكم أئمّة وسطاً ، وقرأوا : ويسئلونك الأنفال ، وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس ؟ قيل له : قد مضى الجواب عن هذه ، وهو : إنّ الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحّتها ، فلذلك وقفنا فيها ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيّناه.
وقال الشيخ جعفر المعروف بكاشف الغطاء في كتابه "كشف الغطاء في الفقه" ما نصه:
لا ريب في أنّ القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الدّيان ، كما دلّ عليه صريح الفرقان وإجماع العلماء في جميع الأزمان ، ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها ، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن أو كثير منه ، فإنه لو كان كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله ، ثم كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه ؟ ... فلابد من تأويلها بأحد وجوه. ولقد أكد على ذلك الشيخ الطهراني في رسالته "تفنيد قول العوام بقدم الكلام".
وها أنا ذا قد أوردت لك لمعا من أقوال أكابر علماء الشيعة الذين عليهم المعول ويرجع إليهم الأمر، ومن خالفهم في أقوالهم فليس من الشيعة وإن ادعى الانتساب إليها ظاهرا أو باطنا. فتلك أقوالهم حجة على من خالفهم وناصبهم العداء، أما التشنيع والإفتراء و الإرجاف فأصحابه كثيرون من الوهابية الجهلاء والتيمة الحشوية المتعصبين.
وفي ختام هذا المبحث أود أن أقول أنه لو أحتج كل طرف على الآخر بالروايات التي في كتبه لخرجنا بالطامات والله من كتب السنة والشيعة. وإني ذاكر لك بعض الأمثلة من كتب السنة كي تفهم وتعرف أن كثير من الروايات لا يمكن أن تتخذ حجة على عقيدة مذهب بأكلمه. ألم يخرج ابن ماجة في سننه الحديث المروي عن عائشة: " نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها"، فلو أراد الشيعة التشنيع على السنة لشنعوا بذلك الحديث وبغيره، وجوابك عن هذه الرواية هو نفس جواب الشيعة عن رواياتهم. ألم ينقل الحافظ السيوطي في كتابه الإتقان قول عمر بن الخطاب حين قال: " لا يقولنّ احدكم قد أخذت من القرآن كلّه ، وما يدريه ما كلّه ؟! قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل : قد أخذت منه ما ظهر"، والعهدة على الحافظ السيوطي في نقله وليست علي فأنا لا أؤمن بتلك الرواية. ألم ينقل الفخر الرازي في تفسيره الكبير في قوله تعالى : ( إنّ هذان لساحران) فقال: « القراءة المشهورة ( إنّ هذان لساحران ) ، ومنهم من ترك هذه القراءة وذكروا وجوهاً ، أحدها : قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر : إنّ هذين لساحران . قالوا : وهي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن ، وروي عن عثمان أنّه نظر في المصحف ، فقال : أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها. فكل تلك الروايات لم يذكرها الشيعة ولكنها في كتب السنة. وأكرر فجوابكم عن تلك الروايات هو نفسه جواب الشيعة عن رواياتهم، فافهم. وها أنا أدعو الله لك بحسن الفهم، فلا يعزب عليه شيء سبحانه.
وهناك دعوى أخري باطلة وهي أن الشيعة يسبون الصحابة وهذا كذب بحت ومحض افتراء، ويستشهدون بأحاديث ضعيفة، ومن يكفر الصحابة ليس هو بشيعي ولا بسني ولا مسلم ولكن ليس كل من صحب النبي قد صار صحابيا، فعلينا أن نعي أولا من هو الصحابي؟، فكيف يكفر الشيعةُ الصحابةَ و كانوا جلهم يحاربون مع سيدنا علي أمير المؤمنين في حروبه حيث كان معه أكثر من ثمانين بدريا وتسمعائة ممن بايعوا تحت الشجرة، كانوا معه في الجمل وصفين. كيف يكفر الشيعة ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبادة بن الصامت وعمار بن ياسر وقد حاربوا معه وشهدوا مشاهده وقتل هذا الأخير بين يدي مولانا علي في صفين وقتلته الفئة الباغية فئة معاوية كما أخبر النبي، كيف يكفرون خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين الذي جعل الرسول شهادته بشهادة عدلين من الرجال، كيف يكفرون أبو ذر جندب الغفاري، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود بن عبد يغوث، ومالك الأشتر وغيرهم. كل هؤلاء حاربوا مع سيدنا علي وقتلوا بين يديه. وكيف يكفرون أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي وكانت من شيعة مولانا أمير المؤمنين ومن أنصاره، كيف يكفرون محمد بن أبي بكر الصديق الذي كان مواليا لعلي ومن عماله على مصر والذي خالف أخته السيدة عائشة وأنكر عليها محاربتها لسيدنا علي، ولقد ندمت السيدة الكريمة عائشة أم المؤمنين على ذلك وكانت تقول "ما لي ولعلي" كما هو مذكور في التواريخ (كالطبري وابن الأثير وأبي الفدا وغيرهم). والمسلم سني كان أو شيعي أو معتزلي أو صوفي ليس بسباب ولا لعان، ومن يسب ويلعن فهو عاص خارج عن تعاليم الشريعة أيا كان. و أنا كثيرا ما أتابع قناة الأنوار والمنار وهما كما تعلم شيعيتان فلم أجد يوما عالما يسب أبا بكر أو عمر. فلا تحتج بشذاذ المذهب على عقلائه، ولا بعوامه على علمائه.
وأما عن السب واللعن فقد أورد الطبري في تاريخة أن معاوية ومن بعده بني أمية قاطبة استن سب سيدنا علي على منابر الشام حتى جاء عمر بن عبد العزيز وأبطل تلك البدعة التي استقرت في قلوب المنافقين من بني أمية، فبنو امية هم السبابون اللعانون المنافقون. فافتح كتب التاريخ للطبري وابن الأثير واليعقوبي وغيرهم ستجد ذاك مسطورا مزبورا. ألم يخالف معاوية عهده مع سيدنا الحسن بن علي بعد أن اتفقا على أن يتخلى الحسن عن الخلافة على أن تكون له ولاية العهد، فغدر به وولي ابنه الفاجر يزيد شارب الخمر وفاسد الأمر، فما قولك في الحانثين والناقضين للعهود والمواثيق؟ ألم يقتل معاوية حُجْرَ بن عدي الكندي وكان صحابيا جليلا، فما جزاء من يقتل مؤمنا متعمدا؟، ألم يقتل جيشه عمارَ بن ياسر فصح فيهم أنهم هم الفئة الباغية؟ ألم يقل الحسن البصري أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة:
1) انتزاءه بالسفهاء على الأمة حتى استبد بالأمر وفيها بقايا الصحابة وذوو الفضيلة.
2) استخلافه ابنه يزيد مخالفا عهده مع الحسن بن علي.
3) ادعاؤه زياد بن سمية، وأمه زانية، وقال الرسول "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
4) قتله حُجْر بن عدي الكندي، ويله من حجر، ويله من حجر.
وما كان معاوية يذكرعليا إلا ويقول "أبو تراب" وكان يضطهد من يتكلم في فضائل علي حتى أن العلماء إذا أرادوا الحديث عنه كنوا ولم يصرحوا باسمه فيقولون "أبو زينب". ألم يستلحق معاويةُ بن صخر "زيادَ بن سمية" متفاخرا بزنا أبيه صخر بن حرب. ولقد تواترت الروايات التي يعترف فيها أبو سفيان بزناه وأن زياد هو ولده من السفاح والزنا، لكن العرب لم تسلم له بذلك، افتح تاريخ ابن عساكر ستشم رائحة ذلك، وأبيات الشاعر ابن مفرغ الحميري في ذلك مشهورة وهي التي قال فيها:
ألا أبلغ معاوية بن صخر * مغلغلة مـن الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد ان إلَّـك من زياد * كـإلِّ الفيل من ولـد الأتـانِ
والإلُّ هو النسب والقرابة، والأتان هي أنثى الحمار، وصخر هو أبو سفيان إن كنت لا تعلم. وأخرج الطبري في تاريخه 6: 123 بإسناده عن أبي إسحاق: إن زيادا لما قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. قالوا: ادعنا إلى ما شئت. قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: أما بشهادة الزور فلا، فأتى البصرة فشهد له رجل. رغم كل هذا فقد استلحق معاوية زيادا على أنه أخوه رغم قول النبي "لعن الله من انتسب لغير أبيه".اذهب وافتح "الاستيعاب"لابن عبد البر وتاريخ أبي الفداء وأسد الغابة لابن الأثير ستجد ذاك هناك. فإن كنت لا تعلم (وهذا هو الراجح) فتلك مصيبة، وإن كنت تعلم فالمصيبة أعظم.
وتحدث المفضوض فوه عن خيانات الشيعة ووسمهم بالخيانة ومساعدة المغول كما فعل ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي، وتلك فرية يروجها الجهلاء دون تبين أو تبصر، وهم لأسف لا يعرفون من نصير الدين الطوسي ومن أبن العلقمي غير الأسماء فقط، وللأسف ينخدع من لا علم عنده بما يروجه أذناب الوهابية وذيول المذهب التيمي، يأتون بنصف الحقيقة ويخفون النصف الآخر كي يغرروا بالبسطاء، ويخلطون جزءا من الحق بكثير من الباطل حتى يفوتوا أراجيفهم على جهال الناس وبسطاء العوام. وسأتحدث بعيد قليل عن أمر نصير الطوسي والوزير مؤيد الدين ابن العلقمي مع المغول، ولكن قبل ذلك سأشرح لك حال الخليفة السني ألا وهو المستعصم آخر خلفاء بني العباس الذي كان منشغلا باللهو واللعب وسماع الأغاني كما ذكر صاحب "الآداب السلطانية"، ولم يهتم بأمر المغول حتى حلوا ببابه. لقد روي ابن كثير ان المستعصم كانت ترقص بين يديه راقصة من محظياته فأصابها سهم من أحد الشبابيك فقتلها فأمر الخليفة بعمل الستائر المغلظة على دار الخلافة (البداية والنهاية 13/233). وكان مؤيد الدين محمد بن العلقمي ينشد دائما متحسرا على الخلافة فيقول :
كيف يرجى الصلاح في أمر قوم * ضيعوا الحزم فيه أي ضياع
فمطاع المقـال غيـر سـديـد * وسـديـد المقال غير مطـاع
وكان الخليفة قد قطع أرزاق الجند وأخبازهم حتى أن ابن العلقمي خشية على الجيش كان يحثهم على المطالبة بأرزاقهم ولكن الخليفة كان مشغولا بأشياء أخرى وكان قواد الجيش والدويدار يسرقون من ميزانية الجيش. وإذا كان الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي غير موثوق فلماذا ولاه المستعصم وزيرا؟ فأيهما أكثر خيانة الخليفة الفاسد اللاهي الساهي عن أمور الدولة أم مؤيد الدين بن العلقمي الذي يتهم بالخيانة زورا. فهو لما علم بضعف الخليفة وقوة المغول لم يجد فائدة من المعارضة، فالمغول قادمون لا محالة، فعمل على مداراة المغول ومداهنتهم وعدم إظهار العداوة حتى ينجو بحياته ولعله يقنع هولاكو بالحفاظ على حياة المسلمين والحفاظ على بغداد. وفي نفس السياق كان دور نصير الدين الطوسي الذي قال عنه خليل ابن أيبك الصفدي أنه كان أعلم أهل الأرض بفن المجسطي وبعلم الفلك والنجوم، انتهى. واليك نبذة عن تاريخ نصير الدين الطوسي علها تجلي بعضا من ركامات الجهل المطبق على العقول:
هو محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، نصير الدين، والمعروف بالمحقق الطوسي. ولد في القرن السادس الهجري سنة 597، وتوفي في بغداد سنه 672 وكان عالما فذا وعده خليل بن ايبك الصفدي في لامية العرب من الرجال الذين لم يصل إلى رتبتهم أحد في فن المجسطي و الأرصاد وعلم النجوم. وقال عنه العلامة الحلي : هو أستاذ البشر والعقل الحادي عشر. ولد في طوس من أعمال إيران، وهي التي دفن بها الإمام علي الرضا، كما دفن فيها أيضا هارون الرشيد بن المهدي العباسي وكانت مدينة عامرة كبيرة فيها المروج والأنهار والمباني الفحمة.
وللطوسي أسهام كبير في علم النجوم ودراساته الحسابة والهندسة وهو الذي استحدث نظام الجداول الفلكية التي استخدمها الأوروبيون في عصر النهضة كما يقول بروكلمان، و كان له مرصدا يجري فيه أبحاثه. وكان أول مرصد هو مرصد أبرخسن في اليونان، وبعده مرصد بطليموس في الأسكندرية، واول مرصد انشيء في الإسلام هو مرصد الخليفة المأمون في بغداد ثم مرصد محمد جابر البستاني في الشام، وأقيم المرصد الحاكمي في مصر في عهد الفاطميين.
ولما اجتاح المغول بلاد المسلمين من قبل المشرق ودخلوا العراق والشام، أيقن نصير الدين أنه لا فائدة من اظهار العصيان والتمرد لأنه سيقتل إن فعل وقرر أن ينتهز حاجة هولاكو إليه لعلمه بالفلك والنجوم. فاحتال نصير الدين من أجل أن يقنع هولاكو بالتوقف عن التخريب بل وأقنعه بمساعدته في بناء مرصده. وكان نصير الدين هو المسئول عن الأوقاف والمدارس ورعايتها فعمل على نشر الفلسفة وباقي العلوم العملية الأخرى وأنشأ لها مدارسا ومعاهدا. ويموت هولاكو ويأتي من بعد أبَقَاخان ومن بعده أخوه تكودار الذي أسلم وسمى نفسه أحمد تكودار وكل هذا بصبر الطوسي وبعد بصيرته. فلم يمت الطوسي كما قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي حتى جدد العلوم الإسلامية فإن الأنتصار على التتار لم يكن بهزيمتهم في موقعة عين جالوت فقط ولكن الأهم هو فتح قلوبهم للإسلام وهدايتهم له وهذا ما فعله نصير الدين الطوسي. فاستطاع نصير الدين بعقله وتدبيره وصبره من أسلمه المغول الوثنيين، فانتشر الإسلام انتشارا واسعا. فقد كان الطوسي حريصا على حياة العلماء وعلى الكتب والمكتبات. فالتحاق الطوسي بهولاكو أنجته من القتل وساعدته على الحفاظ على العلماء ونشر العلم وإقامة أكاديمية علمية في مراغة. وروي جمال الدين يوسف الظاهري في كتابه "المنهل الصافي و المستوفي بعد الوافي" أن هولاكو أمر بقتل نصير الدين، و جرت بينهما محاورة فقال نصير الدين في ليله كذا يخسف القمر. فقال هولاكو احبسوه فإن صدق أطلقناه واحسنا إليه، وان كذب قتلناه، فلما جاءت الليلة سكر هولاكو ونام وخسف القمر خسوفا بالغا، فقال نصير الدين لأتباع هولاكو وقد صدقوه لما رأوا القمر قد خسف دقوا على الطاسات لئلا يذهب قمركم إلى يوم القيامة ولا يعود، ففعلوا وكثر اللغط و الصخب فانتبه هولاكو ورأى القمر قد خسف، وكان ذاك سبب التحاق نصير الدين بهولاكو، ومن هنا نشأت عادة العوام في الدق على النحاس إذا خسف القمر.
ولتعلم أن أول من أضير من حملات المغول هم طائفة الإسماعيلية المنتسبة للشيعة فقد دخل هولاكو قلاعهم في "ألمُوت" وقتلهم قتلا ذريعا ونهب أموالهم، أفهل تآمر الشيعة على أنفسهم وكانوا سببا في سقوط بغداد أم فساد الخليفة وتخاذله وضعفه هو الذي جرأ المغول على التقدم؟ أجبني إن كنت تستطيع. فالوزير مؤيد الدين كان فردا واحد لا يملك جنودا وحتى إن فرضنا خيانته وهذا غير صحيح فكيف تؤثر خيانة فرد أو فردين او ثلاثة في سقوط خلافة عظيمة مترامية الأطراف؟ وعلى فرد خيانة الوزير مؤيد الدين ألم يتعامل كثير من التجار السنة مع هولاكو وكانوا يرسلون له بما يحتاج من ملابس لجنوده، اقرأ في تاريخ الدولة الخوارزمية ستعلم ذلك. فلماذا لا تتهمهم بالخيانة أهل لانهم كانوا من السنة. فالخيانة يا أخي مرفوضة من أي إنسان سني كان أم شيعي ولا علاقة لمذهب بها فإذا خرج من الشيعة خائن هل كل الشيعة يصبحوا خائنين؟ كلا. وكذلك إذا خرج من السنة خائن فهل نقول أن أهل السنة كلهم خائنون؟ ألم يتحالف الملك الكامل الأيوبي وهو ابن أخي صلاح الدين مع فريدريك الثاني إمبراطور الرومان ضد أخيه المعظم الأيوبي، ووعده باعطائه بيت المقدس. أهل كان الكامل شيعيا؟ أراك صامت فماذا دهاك؟ ألم يفعل نفس الشيء الصاحب إسماعيل الأيوبي صاحب دمشق وسلم للصليبيين القدس وطبرية وعسقلان؟ أعلم انك ربما جاهل بتلك الحقائق، وها أنا ذا أبصرك بها، فلا يستحثنك كبرك على إنكار الحقيقة. ولقد ورد كل ذلك في الكامل في التاريخ لأبن الأثير الجزري وهو لعلمك مؤرخ سني وليس شيعي. وفي عصرنا الحديث ماذا عن فؤاد السنيوة السني اللبناني الذي يصافح قتله المسلمين وحلفاء بني صهيون ويقف بجانبه ويدعو له المفتي السني اللبناني؟ ما رأيك في هذا المشهد؟ وماذا عن الحلف والقواعد الصليبية في عقر دار الوهابية في أرض الحرمين؟ أهل نقول ان السنة كلهم خونة؟ كلا ليس هكذا تورد الإبل. وإنه يصدق فيك قول الشاعر "رب عائب لكل شيء وكل ما فيه عيب". ولقد كان مع هولاكو شخصيات سنية يذكرها التاريخ مثل محمد الجويني الذي استأذن هولاكو في أن يأخذ مجموعة كتب وآلات من مكتبة قلعة ألموت فأذن له. وكذلك القاضي السني نظام الدين عبد المنعم الذي تعاون مع المغول ضد الدولة العباسية، وماذا عما ذكره ابو الفداء في تاريخه عن الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل الأيوبي الذي أقام عليه الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الحجة على مراسلته ومكاتبته للمغول؟ أهل تظن ان بَائَك تَجُرُّ وباء غيرك تنصب ولا تجر؟ وماذا لو أن ملكا شيعيا هو الذي فعل ذلك؟ قد كنتم أقمتم الدنيا وما أقعدتموها أيها الوهابية، فلماذا أنتم عمون عن الحقائق وتكيلون لأنفسكم بكيل غير الذي تكيلون به للناس؟ أنا لا أخاطبك أنت برسالتي هذه فأنا اعلم أنك جاهل مسكين متأثر بأساطين الوهابية ممن يتزيون بزي العلماء ويرتسمون برسمهم.
واعلم أني لا أدافع عن الشيعة ولا أبرئهم فعند عوامهم وشذاذ علمائهم من المعايب الكثير ولكنهم يعملون على التخلص منها أما أنتم أيها الوهابية فمعايبكم كثيرة ولكن لا تتخلصون منها. فعن التتبير وجلد بعض عوام الشيعة لأنفسهم فقد أفتى الخامنئي بحرمة ذلك، ولا يفعله إلا بعض العوام في العراق فقط، أفهل رأيت شيعيا في لبنان يفعل ذلك؟ كلا. أما عن قبر أبو لؤلؤة المجوسي فالذي يقدسه ثلة من المجوس المتأسلمين المنسوبين ظلما للشيعة وقد أمرت الحكومة الإيرانية بإغلاق المزار، وهو الآن مغلق إلى أن يهدم. ونحن إذ أتينا على قصة أبو لؤلؤة أود أن أقول أن سيدنا عمر رضوان الله عليه أخطا الإجتهاد حينما أقر المغيرة على رأيه وسمح له باستبقاء أبو لؤلؤة مع أن الرسول في وصاياه قبل قبضه عليه الصلوات والتسليمات قال "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ولم يستثني النبي منهم أحدا، فرحم الله أبا حفص، عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه يا ليته نفذ وصية النبي فأراحنا من تلك المحنة التي نحن فيها!! ثم هناك أمر آخر ألم يبني المسلمون خلافة سنية عظيمة في عهد آل عثمان سميت بالخلافة العثمانية، فمن تحالف ضدها وحاربها مستعينا بالإنجليز أليست الوهابية؟؟ فالوهابية أصل نشأتهم خيانة، هذا فقط إذا قسناكم بمقياسكم وكلنا لكم بكيلكم. ألم يحارب محمد على باشا عامل الدولة العثمانية على مصر محمد بن عبد الوهاب رأس مذهبكم الفاسد حتى قضى عليه. وحربي على الوهابية ناشئة من قول الله "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"، ولقد شنت الوهابية حرب الدعاية والإفتراءات على الشيعة، فقررت أن أحاربهم وأظهر عوارهم حتى يكفوا ألسنتهم الكاذبة عن المسلمين جميعا شيعة كانوا أو سنة أو معتزلة أو صوفية. والعاقل الذي يريد أن ينقد فعلية بنقد الأفعال لا الأشخاص والطوائف حتى لا تتأجج نيران الفتن بين المسلمين، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. لكن للأسف كثيرون هم هؤلاء الجهلاء الذين يرتقون المنابر في هذا الزمان الذي تنبأ به الرسول الأكرم بانتزاع العلم بقبض العلماء فيتخذ الناس رؤسا ودعاة جهالا فيُضِلوا ويَضِلوا، فقد ذهب أهل العلم وبقي أهل الجهل والسفاهة إلا من رحم الله.
ويتحدث كثير من المهوسيين ضد الشيعة عن مساعدة إيران لأمريكا في حربها ضد أفغانستان، ونسوا أو تناسوا أن الحليف الأكبر للصليبين الأمريكان كانت دولة باكستان السنية أليس ذلك بصحيح؟ فانت تعلم ذلك جيدا، فإن كنت لا تعلم فها قد علمناك وإن كنت تعلم فها قد ذكرناك، وإن كنت غافل فها قد نبهناك. ومن الطبيعي ألا تناصر إيران نظام طالبان السلفي الجاهل لأنهم قتلوا الشيعة والديبلوماسيين الإيرانيين وناصبوهم العداء، ولكن ماذا عن باكستان السنية لماذا لم تناصرهم، بل لماذا حاربتهم؟ وماذا عن دول الخليج السنية التي تحالفت مع الصليبيين في حربهم ضد العراق؟ ألم تخرج الطائرات الصليبية من عقر داركم في بلاد الحرمين وربما حلق بعض منها فوق بيت الله الحرام والكعبة المشرفة؟ لقد كان البيزنطيون يدفعون الجزية للخلافة الفاطمية الشيعية حتى عهد الخليفة المستنصر وكم ذلت الروم في عهد الولة الفاطمية وانتشر الأسطول الإسلامي الفاطمي في البحر المتوسط كما تنتشر الأساطيل الأمريكية الآن في خليج العرب، في حين أن العباسي يتحالف مع البيزنطي ضد الدولة الأموية في الأندلس، وهؤلاء يتحالفون مع البيزنطيين كذلك ضد أولئك.
كنت أود فقط من خلال هذه الوريقات أن أنبه على أنني مسلم مستقل لا أنتمي إلى أي مذهب او طائفة، فديني الإسلام ومذهبي الحقيقة، مسلم يسعى للتوحيد بين المسلمين وعمدت إلى أن أوضح للوهابية شناعاتهم وعيوبهم حتى يكفوا عن عيوب الآخرين. فلست مدافعا عن الشيعة إلا قول الحق كما لست مزريا على الوهابية إلا قول الحق، الوهابية الذين ينسبون أنفسهم زورا إلى أهل السنة والجماعة وهم ليسوا كذلك ، فكما قلت فالحقيقة هي مذهبي، وهذا هو خلق المسلم يسعي دوما للتوحيد بين المسلمين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم. فقد افترق الناس وسموا أنفسهم مسميات هم أبعد ما يكون عنها. فنحن لا نريد هذا الإسلام النفطي الوهابي الأسود الذي يتخفى خلفه حكام الجزيرة ومن تبعهم، ولا نريد الإسلام التتبيري الشيعي الأحمق الذي يجاهر به عوام الشيعة وبعض جهلاء علمائهم في العراق. ولقد تاهت الأمة بين هذين الطرفين المتطرفين. ولكن الله تعالى بفضله ومنه قيض لهذه الأمة من الجانبين ثلة من الحكماء العقلاء الذين يعطون لكل مذهب قدره ولا يحتجون على مذهب بفعل عوام المنتسبين إليه ومتطرفي علمائه. ولكن صوت هؤلاء ضعيف أمام تشنيع المتطرفين الحمقى من هنا وهناك. فلماذا لا نركز على محاسن كل طرف ونأخذ العقلاء من الشيعة والنماذج الحسنة فيهم على أنهم هم الشيعة وهم المثال الشيعي الذي يجب أن يحتذي. ولنعلم أن في كل طائفة أخطاء عقيدية وفقهية وأدائية يمكن أن ينتهزها متشددو الطائفة الأخري ويجعلوا منها مطية للتشنيع والزراية على الطائفة الأخري. فإذا علم كل واحد أن هناك أخطاء مذهبية عند غلاته فعليه ألا يشنع على المذاهب الأخري. حتى لا نصل إلى الحال التي وصلت إليها أحوال أتباع المذاهب الأربعة حيث كان يقام الصلاة في فترة من فترات الزمان القديم لكل أتباع مذهب على مذهبهم، فيقال الصلاة لأتباع الحنفية فيقومون يصلون بمعزل عن اتباع المذهب الحنبلي والشافعي والمالكي والظاهري، وكانت الحرب بين الحنفية والشافعية على أوجها حتى أنهم حرموا التزاوج فيما بينهم. فقد كانت الخلافات حتى بين المذهب السنية على أشدها في ذاك العصر، ومن هنا فإنه ليس بالغريب أن يختلف السنة مع الشيعة فقد اختلفوا مع أنفسهم وتحاربوا ومازالوا مختلفين بين إخوان وسلفية وجهاد وتبليغ وغير ذلك. وكل ما شذ عن هذه المساحة الوسطية فإنه خارج عن الفهم الصحيح وغارق في العصبية العمياء ولا اعتداد بقوله. فما بال أخلاقنا صارت كأخلاق الذباب لا نفرق بين العسل والبراز، ولا يخرج لنا إلا ونيما لا فائدة فيه، وكان أقمن بنا وأحرى ان نتحلى بخلائق النحل لا يحط إلا على الزهور والرياحين فينتج لنا سكرا وعسلا رائق طعمه ولذة للمستطعمين. هذا غيض من فيض، ولولا ضيق المقام لأوردت الكثير، و أرجو أن يكون ذلك دليلا على أقوالي فأنا لا آتي بأقوال مرسلة معاذ الله. وإن في هذا والله إقناع لمن يتدبر، أما المكابر أو المعاند فلن يقنع أو يقتنع ولو أشربته ماء البحر. والسلام.
الثاقب المعتلي
منقــــــــــــــــــــــــــــول