البتـول
02-10-2007, 06:48 PM
السجود على التربة الحسينية
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
يكون مجال بحثنا إن شاء الله في المحاور الأربعة كما يلي :
أولاً : النصوص الواردة حول ما يسجد عليه
ثانياً: أفضلية السجود على التراب
ثالثاً: فضيلة التربة الحسينية
رابعاً لماذا الاهتمام بالسجود على التربة الحسينية ؟
أولاً : النصوص الواردة حول ما يسجد عليه
ويقع في ثلاثة أقسام
القسم الأول : ما يدل على صحة السجود على الأرض
جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً
وفي لفظ مسلم : جعلت لنا الأرض كلها مسجداً, وجعلت لنا طهوراً إذا لم نجد الماء .
وفي لفظ الترمذي : جُعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً . عن علي , وعبدالله بن عمر, وأبي هريرة , وجابر , وابن عباس , وحذيفة وانس, وأبي أُمامة , وأبي ذر .
وفي لفظ البيهقي : جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً
وفي لفظ له أيضاً : جعلت لي الأرض طيبة ومسجداً , وأيّما أدركته الصلاة صلى حيث كان.
(صحيح البخاري 86:1, 113, صحيح مسلم 64:2, صحيح النسائي 32:2, صحيح أبي داوود 79:1, صحيح الترمذي 114:2, السنن الكبرى 433:2, 435)
عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله (ص) رجلاً يسجد على كور عمامته , فأومأ بيده ارفع عمامتك وأومأ إلى جبهته ( السنن الكبرى 105:2)
القسم الثاني : فيما ورد في السجود على غير الأرض من دون أي عذر :
1- أنس بن مالك : إن جدته مليكة دعت رسول الله (ص) لطعام صنعته له, فأكل منه ثم قال : قوموا فلأصلي بكم, قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لُبس, فنضحته بماء, فقام رسول الله (ص) وصففت, واليتيم وراءه, والعجوز من ورائنا .. الحديث . ( أخرجه البخاري في صحيحه 101:1, وفي صحيح النسائي 57:2)
2- أبو سعيد الخدري : إنه دخل على النبي (ص) فرآه يصلي على حصير يسجد عليه ( صحيح مسلم 62:2, 128, وأخرجه ابن ماجة في السنن 321:1, والترمذي في جامعه 127:2 وليس فيه يسجد عليه)
القسم الثالث : فيما ورد في السجود على غير الأرض لعذر:
1- أنس بن مالك : كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض من شدة الحر, طرح ثوبه ثم سجد عليه .
وفي لفظ البخاري: كنا نصلي مع النبي (ص) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.
وفي لفظ مسلم : كنا نصلي مع النبي (ص) في شدة الحر فإذا لم يستطع ( وفي لفظ ابن ماجه :لم يقدر) أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
قال الشوكاني في النيل: الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء حر الأرض, وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل , لتعليق بسط الثوب بعد الاستطاعة .
وفي لفظ : كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود. (البخاري 101:1, مسلم 109:2, ابن ماجة 321:1, أبو داوود 106:1, سنن الدرامي 308:1, مسند أحمد 100:1, السنن الكبرى 106:2, نيل الأوطار 268:2)
القول الفصل :
تدل هذه الروايات بنصها على أن الأصل في ذلك لدى القدرة والإمكان الأرض كلها , ويتبعها المصنوع مما ينبت منها أخذاً بأحاديث الخمرة والفحل والبساط والحصير ولا مندوحة عنها عند فقدان العذر, أما في حال العذر وعدم التمكن منها فيجوز السجود على الثوب المتصل دون المنفصل لعدم ذكره في السنة.
أما السجدة على الفراش والسجاد والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير وأمثالها والثوب فلا دليل يسوّغها قط, ولم يرد في السنة أي مستند لجوازها, وكذلك بقية أصول الحديث من المسانيد والسنن المؤلفة في القرون الأولى الثلاثة ليس فيها أي أثر يمكننا الاستدلال به على جواز ذلك من مرفوع أو موقوف, مسند أو مرسل.
فالقول بجواز السجود على الفرش والسجاد والالتزام بذلك وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة وأمر محدث غير مشروع يخالف سنة الله وسنة رسوله وقد أخرج الحافظ الكبير الثقة أبو بكر ابن أبي شيبة بإسناده في المصنف في المجلد الثاني عن سعيد ابن المسيب وعن محمد بن سيرين : إن الصلاة على الطنفسة محدث . وقد صح عن رسول الله (ص) قوله : شرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة( راجع سيرتنا وسنتنا للأميني (سيرة نبينا وسنته) : 146-157)
ثانياً : أفضلية السجود على تراب الأرض
لقد ورد الأمر بالتتريب في النصوص الشريفة والأمر دال على الأفضلية والمطلوبية إن لم يكن دالاً على الوجوب. وإليك جملة من الروايات تفيد أفضلية السجود على تراب الأرض بلا ريب:
1- عن خالد الجهني: قال : رأى النبي (ص) صهيباً يسجد كأنه يتقي التراب, فقال له "ترب وجهك يا صهيب" ( كنز العمال للمتقي الهندي 465:7 برقم 19810)
2- روت أم سلمة (رضي الله عنها ) :رأى النبي (ص) غلاماً لنا يُقال له (أفلح) ينفخ إذا سجد, فقال " يا أفلح ترّب". (المصدر السابق 459:7 برقم 19776)
3- روى أبو صالح قال : دخلت على أم سلمة فدخل عليها ابن أخ لها فصلى في بيتها ركعتين, فلما سجد نفخ التراب , فقالت أمّ سلمة : ابن أخي لا تنفخ, فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول لغلام له يقال له يسار –ونفخ- "ترب وجهك لله". (كنز العمال للمتقي الهندي 465:7برقم 19810 ومسند أحمد 301:6)
ثالثاً : فضيلة التربة الحسينية
كان الأوزاعي وهو أستاذ أبي حنيفة, إذا أراد السفر من المدينة حمل معه طينة منها ليسجد عليها فسُئل عن ذلك, فقال : إن أفضل بقعة في الأرض هي البقعة التي دفن عليها رسول الله (ص) وأحبّ أن يكون سجودي لله تعالى عليها ( انظر هذه الشيعة , باقر شريف القرشي 267-270)
وروت عائشة قالت : دخل الحسين بن علي على رسول الله (ص) وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله, وهو منكب فقال جبرائيل : أتحبه يا محمد؟ قال : ومالي لا أحب ابني؟ قال : فإن أمتك ستقتله من بعدك, فمد جبرائيل يده فأتاه بتربة بيضاء, فقال : في هذه الأرض يُقتل ابنك هذا, واسمها الطف, فلما ذهب جبرائيل من عند رسول الله والتربة في يده وهو يبكي فقال: "يا عائشة إن جبرائيل أخبرني أن ابني حسيناً مقتول في أرض الطف, وأن أمتي ستفتن بعدي" ثم خرج إلى الصحابة وفيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي فبادروا إليه قائلين: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال : " اخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يُقتل من بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه (مجمع الزوائد 187:9, وفي تهذيب الكمال 71, أن النبي أخذ التربة التي جاء بها جبرائيل فجعل يشمها ويقول : " ويح كرب وبلاء".
وروت السيدة أم سلمة, قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي (ص) في بيتي فنزل جبرائيل, فقال : يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك- وأشار إلى الحسين – فبكى رسول الله (ص) وضمه إلى صدره, وإن بيده تربة فجعل يشمها وهو يقول : "ويح كرب وبلاء" وناولها أم سلمة فقال لها : "إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي ان ابني قد قُتل.." فجعلتها أم سلمة في قارورة, وجعلت تتعدها كل يوم وهي تقول: إن يوماً تتحولين دماً ليوم عظيم. (المعجم الكبير للطبراني 108:3, في باب ترجمة الإمام الحسين "ع" )
لماذا الاهتمام بالسجود على التربة الحسينية ؟
إن الغاية المتوخاة من السجدة على تربة كربلاء إنما تستند إلى أصلين قويمين وتتوقف على أمرين قيمين :
أولهما : استحسان اتخاذ المصلي لنفسه تربة طاهرة طيبة يتيقن بطهارتها من أي أرض أُخذت, ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت, وهي كلها في ذلك الشرع سواء, لا امتياز لإحداهن على الأخرى في جواز السجود عليها, وإن هو إلا كرعاية المصلي طهارة جسده وملابسه ومصلاه, يتخذ المسلم لنفسه صعيداً طيباً يسجد عليه في حله وترحاله, وفي حضره وسفره ولا سيما في السفر, إذ الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ويتخذها مسجداً لا تتأتى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات وباحات النزل والساحات, وحال المسافرين, ومحطات وسائل السير والسفر ومنازل الغرباء, أنى له ذلك؟ وقد يحل بها كل إنسان من الفئة المسلمة وغيرها, ومن أخلاط الناس الذين لا يبالون ولا يكترثون لامر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة.
فأي مانع من أن يحترز المسلم في دينه ويتخذ معه تربة يطمئن بطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ التي لا تجوز السنة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم.
وهذه النظرة كانت متخذة لدى رجال السلف في القرون الأولى, وأخذاً بهذه الحيطة كان التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع يأخذ في أسفاره لبنة يسجد عليها كما أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه " المصنف" في المجلد الثاني في باب : من كان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه, فأخرج بإسنادين: ان مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها.
هذا هو الأصل الأول لدى الشيعة ولهم فيه سلف من الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان.
وأما الأصل الثاني: فإن قاعدة الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الأراضي, وتستدعي اختلاف الآثار والشؤون والنظرات فيها وهذا أمر طبيعي عقلي متسالم عليه مطّرد بين الأمم إذا بالإضافات والنسب تقبل الأراضي والأماكن والبقاع خواصاً ومزايا, بها تجري عليها مقررات, وتنتزع منها أحكاما لا يجوز التغاضي عنها .
ألا ترى أن الساحات والقاعات والدور والدوائر الرسمية المضافة إلى الحكومات وبالأخص ما ينسب منها إلى البلاط الملكي, ويعرف باسم عاهل البلاد وشخصه, لها شأن خاص وحكم ينفرد بها يجب على الشعب رعايته, والجري على ما صدر فيها من قانون ؟
فكذلك الأمر بالنسبة إلى الأراضي والأبنية المضافة والمنسوبة لله تعالى فإن لها شؤوناً خاصة , كالبيت الحرام والكعبة المشرفة والمسجد النبوي وغيرها من مساجد..
وهذا الاعتبار وقانون الإضافة كما لا يختص بالشرع فحسب, بل هو أمر طبيعي أقرّ الإسلام الجري عليه, كذلك لا ينحصر هو بمفاضلة الأراضي , وإنما هو أصل مطرد في باب المفاضلة في مواضيعها العامة من الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء والشهداء والصديقين وأفراد المؤمنين وأصنافهم, إلى كل ما يتصور له فضل على غيره في مقاييس الإسلام الثابتة . بل هذا الأصل هو محور دائرة الوجود, وبه قوام كل شيء وإليه تنتزع الرغبات في الأمور ومنه تتولد الصلات والمحبات والعلائق والروابط.
وعليه فنسأل:
ما الذي دعا النبي (ص) إلى أن يبكي على ولده الحسين السبط, ويقيم كل تلكم المآتم ويأخذ ويأخذ تربة كربلاء ويشمها ويقبلها؟
وما الذي جعل السيد أم سلمة أم المؤمنين تصرّ تربة كربلاء على ثيابها؟
وما الذي سوّغ للصديقة فاطمة أن تأخذ تربة قبر أبيها الطاهر وتشمّها؟
وما الذي جعل علياً أمير المؤمنين يأخذ قبضة من تربة كربلاء لما حل بها, فيشمها ويبكي حتى يبلّ الأرض بدموعه, وهو القائل: "يحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب" كما أخرجه الطبراني وقد قال الهيثمي ( مجمع الزائد 191:9) :رجل ثقات.
وهكذا يتضح لدى الباحث النابه الحر سر فضيلة كربلاء المقدسة ومبلغ انتسابها إلى الله تعالى, ومدى حرمتها وحرمة صاحبها دنواً واقتراباً من الله سبحانه وتعالى, فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله وقائد جنده الأكبر المتفاني دونه, هي مثوى حبيبه وابن حبيبه والداعي إليه, والدال عليه, والناهض له, والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه, والواضع دم مهجته في كفه إعلاءً لكلمته, ونشر توحيده وتحكيم معالمه وتوطيد طريقه وسبيله.
كيف لا يديم ذكره في أرضه وسمائه, وقد أخذت محبة الله بمجامع قلبه؟
أفليست السجدة على تربة هذا شأنها لدى التقرب إلى الله في أوقات الصلوات أطراف الليل والنهار أولى وأحرى من غيرها من كل أرض وصعيد وقاعة وقرارة طاهرة, أو من البسط والفرش والسجاد المنسوجة ولم يوجد في السنة أي مسوغ للسجود عليها ؟
أليس أجدر بالتقرب إلى الله وأنسب بالخضوع والخشوع والعبودية له تعالى أمام حضرته, وضع صفح الوجه والجباه على تربة في طيّها دروس الدفاع عن الله. ومظاهر قدسه ومجلى التحامي عن ناموسه ناموس الإسلام المقدس؟
أليس أليق بأسرار السجدة على الأرض السجود على تربة فيها سرّ المنعة والعظمة والكبرياء والجلال لله جلّ وعلا, ورموز العبودية والتصاغر دون الله بأجلى مظاهرها وسماتها؟
أليست أحق بالسجود عليها تربة فيها بينات التوحيد والتفاني دونه؟ تدعو إلى رقة القلب ورحمة الضمير والشفقة والتعطف؟
أليس الأمثل والأفضل اتخاذ المسجد من تربة تفجرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حب الله, وصبغت على سنة الله وولائه المحض الخالص؟
وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض المحتم, ولا من واجب الشرع والدين, ولا مما ألزمه المذهب, ولا يفرّق أي أحد منهم منذ أول يومها بينها وبين غيرها من تراب الأرض في جواز السجود عليها, خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم , وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا, واختيار لما هو الأولى بالسجود عليه لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت. وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم (سيرتنا وسنتنا للأميني 158-167)
مضافاً إلى ذلك كله ما ورد عن أئمة أهل البيت (ع) من الاهتمام بهذه التربة الطيبة الزاكية في النصوص الصحيحة الكثيرة في التبرك بها وتقبيلها وتفضيل السجود عليها.
لذا لم تقتصر التربة الحسينية من حيث المفضلات وحدها, بل اتخذت رمزاً آخر لقضية كبيرة في الإسلام ذات أبعاد عقائدية وتربوية تستمد قيمتها من نهضة الإمام الحسين (ع) وخلودها .
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
يكون مجال بحثنا إن شاء الله في المحاور الأربعة كما يلي :
أولاً : النصوص الواردة حول ما يسجد عليه
ثانياً: أفضلية السجود على التراب
ثالثاً: فضيلة التربة الحسينية
رابعاً لماذا الاهتمام بالسجود على التربة الحسينية ؟
أولاً : النصوص الواردة حول ما يسجد عليه
ويقع في ثلاثة أقسام
القسم الأول : ما يدل على صحة السجود على الأرض
جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً
وفي لفظ مسلم : جعلت لنا الأرض كلها مسجداً, وجعلت لنا طهوراً إذا لم نجد الماء .
وفي لفظ الترمذي : جُعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً . عن علي , وعبدالله بن عمر, وأبي هريرة , وجابر , وابن عباس , وحذيفة وانس, وأبي أُمامة , وأبي ذر .
وفي لفظ البيهقي : جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً
وفي لفظ له أيضاً : جعلت لي الأرض طيبة ومسجداً , وأيّما أدركته الصلاة صلى حيث كان.
(صحيح البخاري 86:1, 113, صحيح مسلم 64:2, صحيح النسائي 32:2, صحيح أبي داوود 79:1, صحيح الترمذي 114:2, السنن الكبرى 433:2, 435)
عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله (ص) رجلاً يسجد على كور عمامته , فأومأ بيده ارفع عمامتك وأومأ إلى جبهته ( السنن الكبرى 105:2)
القسم الثاني : فيما ورد في السجود على غير الأرض من دون أي عذر :
1- أنس بن مالك : إن جدته مليكة دعت رسول الله (ص) لطعام صنعته له, فأكل منه ثم قال : قوموا فلأصلي بكم, قال أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لُبس, فنضحته بماء, فقام رسول الله (ص) وصففت, واليتيم وراءه, والعجوز من ورائنا .. الحديث . ( أخرجه البخاري في صحيحه 101:1, وفي صحيح النسائي 57:2)
2- أبو سعيد الخدري : إنه دخل على النبي (ص) فرآه يصلي على حصير يسجد عليه ( صحيح مسلم 62:2, 128, وأخرجه ابن ماجة في السنن 321:1, والترمذي في جامعه 127:2 وليس فيه يسجد عليه)
القسم الثالث : فيما ورد في السجود على غير الأرض لعذر:
1- أنس بن مالك : كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض من شدة الحر, طرح ثوبه ثم سجد عليه .
وفي لفظ البخاري: كنا نصلي مع النبي (ص) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.
وفي لفظ مسلم : كنا نصلي مع النبي (ص) في شدة الحر فإذا لم يستطع ( وفي لفظ ابن ماجه :لم يقدر) أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه.
قال الشوكاني في النيل: الحديث يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء حر الأرض, وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل , لتعليق بسط الثوب بعد الاستطاعة .
وفي لفظ : كنا إذا صلينا مع النبي (ص) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود. (البخاري 101:1, مسلم 109:2, ابن ماجة 321:1, أبو داوود 106:1, سنن الدرامي 308:1, مسند أحمد 100:1, السنن الكبرى 106:2, نيل الأوطار 268:2)
القول الفصل :
تدل هذه الروايات بنصها على أن الأصل في ذلك لدى القدرة والإمكان الأرض كلها , ويتبعها المصنوع مما ينبت منها أخذاً بأحاديث الخمرة والفحل والبساط والحصير ولا مندوحة عنها عند فقدان العذر, أما في حال العذر وعدم التمكن منها فيجوز السجود على الثوب المتصل دون المنفصل لعدم ذكره في السنة.
أما السجدة على الفراش والسجاد والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير وأمثالها والثوب فلا دليل يسوّغها قط, ولم يرد في السنة أي مستند لجوازها, وكذلك بقية أصول الحديث من المسانيد والسنن المؤلفة في القرون الأولى الثلاثة ليس فيها أي أثر يمكننا الاستدلال به على جواز ذلك من مرفوع أو موقوف, مسند أو مرسل.
فالقول بجواز السجود على الفرش والسجاد والالتزام بذلك وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة وأمر محدث غير مشروع يخالف سنة الله وسنة رسوله وقد أخرج الحافظ الكبير الثقة أبو بكر ابن أبي شيبة بإسناده في المصنف في المجلد الثاني عن سعيد ابن المسيب وعن محمد بن سيرين : إن الصلاة على الطنفسة محدث . وقد صح عن رسول الله (ص) قوله : شرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة( راجع سيرتنا وسنتنا للأميني (سيرة نبينا وسنته) : 146-157)
ثانياً : أفضلية السجود على تراب الأرض
لقد ورد الأمر بالتتريب في النصوص الشريفة والأمر دال على الأفضلية والمطلوبية إن لم يكن دالاً على الوجوب. وإليك جملة من الروايات تفيد أفضلية السجود على تراب الأرض بلا ريب:
1- عن خالد الجهني: قال : رأى النبي (ص) صهيباً يسجد كأنه يتقي التراب, فقال له "ترب وجهك يا صهيب" ( كنز العمال للمتقي الهندي 465:7 برقم 19810)
2- روت أم سلمة (رضي الله عنها ) :رأى النبي (ص) غلاماً لنا يُقال له (أفلح) ينفخ إذا سجد, فقال " يا أفلح ترّب". (المصدر السابق 459:7 برقم 19776)
3- روى أبو صالح قال : دخلت على أم سلمة فدخل عليها ابن أخ لها فصلى في بيتها ركعتين, فلما سجد نفخ التراب , فقالت أمّ سلمة : ابن أخي لا تنفخ, فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول لغلام له يقال له يسار –ونفخ- "ترب وجهك لله". (كنز العمال للمتقي الهندي 465:7برقم 19810 ومسند أحمد 301:6)
ثالثاً : فضيلة التربة الحسينية
كان الأوزاعي وهو أستاذ أبي حنيفة, إذا أراد السفر من المدينة حمل معه طينة منها ليسجد عليها فسُئل عن ذلك, فقال : إن أفضل بقعة في الأرض هي البقعة التي دفن عليها رسول الله (ص) وأحبّ أن يكون سجودي لله تعالى عليها ( انظر هذه الشيعة , باقر شريف القرشي 267-270)
وروت عائشة قالت : دخل الحسين بن علي على رسول الله (ص) وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله, وهو منكب فقال جبرائيل : أتحبه يا محمد؟ قال : ومالي لا أحب ابني؟ قال : فإن أمتك ستقتله من بعدك, فمد جبرائيل يده فأتاه بتربة بيضاء, فقال : في هذه الأرض يُقتل ابنك هذا, واسمها الطف, فلما ذهب جبرائيل من عند رسول الله والتربة في يده وهو يبكي فقال: "يا عائشة إن جبرائيل أخبرني أن ابني حسيناً مقتول في أرض الطف, وأن أمتي ستفتن بعدي" ثم خرج إلى الصحابة وفيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي فبادروا إليه قائلين: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال : " اخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يُقتل من بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه (مجمع الزوائد 187:9, وفي تهذيب الكمال 71, أن النبي أخذ التربة التي جاء بها جبرائيل فجعل يشمها ويقول : " ويح كرب وبلاء".
وروت السيدة أم سلمة, قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي (ص) في بيتي فنزل جبرائيل, فقال : يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك- وأشار إلى الحسين – فبكى رسول الله (ص) وضمه إلى صدره, وإن بيده تربة فجعل يشمها وهو يقول : "ويح كرب وبلاء" وناولها أم سلمة فقال لها : "إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي ان ابني قد قُتل.." فجعلتها أم سلمة في قارورة, وجعلت تتعدها كل يوم وهي تقول: إن يوماً تتحولين دماً ليوم عظيم. (المعجم الكبير للطبراني 108:3, في باب ترجمة الإمام الحسين "ع" )
لماذا الاهتمام بالسجود على التربة الحسينية ؟
إن الغاية المتوخاة من السجدة على تربة كربلاء إنما تستند إلى أصلين قويمين وتتوقف على أمرين قيمين :
أولهما : استحسان اتخاذ المصلي لنفسه تربة طاهرة طيبة يتيقن بطهارتها من أي أرض أُخذت, ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت, وهي كلها في ذلك الشرع سواء, لا امتياز لإحداهن على الأخرى في جواز السجود عليها, وإن هو إلا كرعاية المصلي طهارة جسده وملابسه ومصلاه, يتخذ المسلم لنفسه صعيداً طيباً يسجد عليه في حله وترحاله, وفي حضره وسفره ولا سيما في السفر, إذ الثقة بطهارة كل أرض يحل بها ويتخذها مسجداً لا تتأتى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات وباحات النزل والساحات, وحال المسافرين, ومحطات وسائل السير والسفر ومنازل الغرباء, أنى له ذلك؟ وقد يحل بها كل إنسان من الفئة المسلمة وغيرها, ومن أخلاط الناس الذين لا يبالون ولا يكترثون لامر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة.
فأي مانع من أن يحترز المسلم في دينه ويتخذ معه تربة يطمئن بطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ التي لا تجوز السنة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم.
وهذه النظرة كانت متخذة لدى رجال السلف في القرون الأولى, وأخذاً بهذه الحيطة كان التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع يأخذ في أسفاره لبنة يسجد عليها كما أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه " المصنف" في المجلد الثاني في باب : من كان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه, فأخرج بإسنادين: ان مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها.
هذا هو الأصل الأول لدى الشيعة ولهم فيه سلف من الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان.
وأما الأصل الثاني: فإن قاعدة الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الأراضي, وتستدعي اختلاف الآثار والشؤون والنظرات فيها وهذا أمر طبيعي عقلي متسالم عليه مطّرد بين الأمم إذا بالإضافات والنسب تقبل الأراضي والأماكن والبقاع خواصاً ومزايا, بها تجري عليها مقررات, وتنتزع منها أحكاما لا يجوز التغاضي عنها .
ألا ترى أن الساحات والقاعات والدور والدوائر الرسمية المضافة إلى الحكومات وبالأخص ما ينسب منها إلى البلاط الملكي, ويعرف باسم عاهل البلاد وشخصه, لها شأن خاص وحكم ينفرد بها يجب على الشعب رعايته, والجري على ما صدر فيها من قانون ؟
فكذلك الأمر بالنسبة إلى الأراضي والأبنية المضافة والمنسوبة لله تعالى فإن لها شؤوناً خاصة , كالبيت الحرام والكعبة المشرفة والمسجد النبوي وغيرها من مساجد..
وهذا الاعتبار وقانون الإضافة كما لا يختص بالشرع فحسب, بل هو أمر طبيعي أقرّ الإسلام الجري عليه, كذلك لا ينحصر هو بمفاضلة الأراضي , وإنما هو أصل مطرد في باب المفاضلة في مواضيعها العامة من الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء والشهداء والصديقين وأفراد المؤمنين وأصنافهم, إلى كل ما يتصور له فضل على غيره في مقاييس الإسلام الثابتة . بل هذا الأصل هو محور دائرة الوجود, وبه قوام كل شيء وإليه تنتزع الرغبات في الأمور ومنه تتولد الصلات والمحبات والعلائق والروابط.
وعليه فنسأل:
ما الذي دعا النبي (ص) إلى أن يبكي على ولده الحسين السبط, ويقيم كل تلكم المآتم ويأخذ ويأخذ تربة كربلاء ويشمها ويقبلها؟
وما الذي جعل السيد أم سلمة أم المؤمنين تصرّ تربة كربلاء على ثيابها؟
وما الذي سوّغ للصديقة فاطمة أن تأخذ تربة قبر أبيها الطاهر وتشمّها؟
وما الذي جعل علياً أمير المؤمنين يأخذ قبضة من تربة كربلاء لما حل بها, فيشمها ويبكي حتى يبلّ الأرض بدموعه, وهو القائل: "يحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب" كما أخرجه الطبراني وقد قال الهيثمي ( مجمع الزائد 191:9) :رجل ثقات.
وهكذا يتضح لدى الباحث النابه الحر سر فضيلة كربلاء المقدسة ومبلغ انتسابها إلى الله تعالى, ومدى حرمتها وحرمة صاحبها دنواً واقتراباً من الله سبحانه وتعالى, فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله وقائد جنده الأكبر المتفاني دونه, هي مثوى حبيبه وابن حبيبه والداعي إليه, والدال عليه, والناهض له, والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه, والواضع دم مهجته في كفه إعلاءً لكلمته, ونشر توحيده وتحكيم معالمه وتوطيد طريقه وسبيله.
كيف لا يديم ذكره في أرضه وسمائه, وقد أخذت محبة الله بمجامع قلبه؟
أفليست السجدة على تربة هذا شأنها لدى التقرب إلى الله في أوقات الصلوات أطراف الليل والنهار أولى وأحرى من غيرها من كل أرض وصعيد وقاعة وقرارة طاهرة, أو من البسط والفرش والسجاد المنسوجة ولم يوجد في السنة أي مسوغ للسجود عليها ؟
أليس أجدر بالتقرب إلى الله وأنسب بالخضوع والخشوع والعبودية له تعالى أمام حضرته, وضع صفح الوجه والجباه على تربة في طيّها دروس الدفاع عن الله. ومظاهر قدسه ومجلى التحامي عن ناموسه ناموس الإسلام المقدس؟
أليس أليق بأسرار السجدة على الأرض السجود على تربة فيها سرّ المنعة والعظمة والكبرياء والجلال لله جلّ وعلا, ورموز العبودية والتصاغر دون الله بأجلى مظاهرها وسماتها؟
أليست أحق بالسجود عليها تربة فيها بينات التوحيد والتفاني دونه؟ تدعو إلى رقة القلب ورحمة الضمير والشفقة والتعطف؟
أليس الأمثل والأفضل اتخاذ المسجد من تربة تفجرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حب الله, وصبغت على سنة الله وولائه المحض الخالص؟
وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض المحتم, ولا من واجب الشرع والدين, ولا مما ألزمه المذهب, ولا يفرّق أي أحد منهم منذ أول يومها بينها وبين غيرها من تراب الأرض في جواز السجود عليها, خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم , وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا, واختيار لما هو الأولى بالسجود عليه لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت. وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم (سيرتنا وسنتنا للأميني 158-167)
مضافاً إلى ذلك كله ما ورد عن أئمة أهل البيت (ع) من الاهتمام بهذه التربة الطيبة الزاكية في النصوص الصحيحة الكثيرة في التبرك بها وتقبيلها وتفضيل السجود عليها.
لذا لم تقتصر التربة الحسينية من حيث المفضلات وحدها, بل اتخذت رمزاً آخر لقضية كبيرة في الإسلام ذات أبعاد عقائدية وتربوية تستمد قيمتها من نهضة الإمام الحسين (ع) وخلودها .